قبيلة جهينة .-(11 فبراير 2014)

جُهَيْنَةَ أَصْلُهَا وَتَفَرُّقِهَا فِيْ الْبِلَادِ بقلم : الدكتور محمد صالح محيي الدين محمد أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة أم درمان بالسودان نشر في مجلة العرب الجزءان 11 – 12 س15 جماديان سنة 1401هـ
نسخه وأعده للنشر شيخنا أبو صفوان الجهني

نسب جهينة (1) : لا خلاف بين نسّابة العرب – فيما أعلم – على انحدار القبيلة العربية الكبيرة « جهينة » من قضاعة؛ فأُمهات الكتبَ التي يُعَوِّلُ عليها؛ والتي تيسر لنا الرجوع إليها تُوشك أن تُجْمِعَ على سَنَدٍ نَسَبِيٍّ واحدٍ ينتهي بِقُضَاعَة؛ فقدْ ذكرتْ هذه المصادر أنَّ جهينة هو ابن زيد بن لَيْثٍ بن سود ابن أَسْلُم بن الحاف (في بعضها: الحافي) بن قضاعة (2) . وأدخل ابن عبد البر (3) تعديلاً على سلسلة هذا النسب بزيادة ونقصان؛ فقد أورد عن نسب جهينة : « وأما ولدها – يُشِيرُ إلى قضاعة – فإن قضاعة ولد الحاف بن قضاعة ؛ وولد الحاف رجُلين: عمران بن الحاف ؛ وعمرو بن الحاف . هذا ما لم يُختلف فيه؛ ومنهما تشعبت بطون قضاعة ….. ومن ولد عمرو بن الحاف بن قضاعة (بَلِيٍّ)…. وجُهينة بن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة »(4) . فأنت ترى أن صاحب هذا النص حذف جَدَّ جهينة (ليث) ، ووسط بين أسلم ـ الذي هو ابن الحاف في الرواية الأولى ـ اسماً آخر هو عمرو الذي جعله ابناً لـ (الحاف).
كما أن السمعاني – وإن اتفق مع أصحاب الرواية الأولى على سلسلة نسب جُهَيْنَةَ – خالفهم حين جعل جهينة هو زيد بن ليث؛ وذلك حين يقول: (الجُهَنِيُّ…. هذه النسبة إلى جُهَيْنَة ؛ وهي قبيلة من قضاعة ؛ واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة (5) . غير أنَ الإتفاق تامٌ بين هؤلاء وأولئك على الارتقاء بالنسب الجُهني إلى قضاعة .
أما قضاعة نفسه ففي نسبة اختلاف كبير بين نسابة العرب؛ فمنهم من وصله بعدنان – وله في ذلك حججه. ومنهم من ارتقى به إلى قحطان ، وهو عندي الأرجح(6) ؛ ومن شواهد رجحانه ـ على سبيل المثال – حديث عقبة بن عامر الجهني الذي رواه (جرير بن حازم عن أبي لهيعة ، عن معروف بن سويد عن أبي عشانة المعافري عن عقبة بن عامر الجهنيّ في حديث ذكره قال: قلتُ يا رسول اللّه : أما نَحْنُ من مَعَدّ ؟؛ قال: « لا ». قلت: مَن نحن ؟ قال: « أنتم قضاعة بن مالك بن حمير »(7) . يقول ابن عبد البر ـ تعقيباً على ذلك – : « فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير في سبأ ؛ ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلُم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة قبيل عُقبة بن عامر الجهني . قال الشرقيُّ : فإن يكن رسولُ اللّه قال: فقد صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (8) . على أن دراسة نَسب قضاعة بالتفصيل؛ وتتبع تقلباتها على مدار التاريخ الإسلامي منذ القدم وحتى الخلافة العباسية؛ تبعاً لمصالحها الاقتصادية المتمثلة في العطاء؛ الذي كان يُرَاعى في توزيعه قرب نسب القبيلة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ وأحياناً تبعاً لأهواء وأغراضٍ سياسية تتمثل في مواقف الخلفاء الأمويين من القيسية والقحطانية(9) ؛ وما إلى ذلك من الدواعي؛ – هذه الدراسة تخرج عن طبيعة هذا البحث -؛ ولذا نكتفي فيها بهذه الإشارة السريعة .
جهينة في شبه جزيرة العرب : 1 ـ في تهامة اليمن : يستفاد مما ذكره ابن هشام والطبريُّ وياقوت أن أقدم موطنٍ لجهينة كان في تهامة اليمن ؛ فقد جاء في «السيرة» لابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق – في معرض حديثه عن نسب قضاعة – قوله: (فولد معد بن عدنان أربعة نَفَرٍ: نزار بن معد ؛ وقضاعة بن معد ؛… فأما قضاعة فتيامنتْ إلى حمير بن سبأ …. قال ابن هشام : فقالت اليمن : وقضاعة بن مالك بن حِمْيَر (10) . وقد أراد ابن هشام – فيما هو ظاهر – أن يدعم رأيه القائل بأنَّ قضاعة من عدنان ؛ وأن نسبتها إلى حِمْيَرَ إنما هو وَهْمٌ نشأ بسبب سكناها في ديار حِمْيَر اليمانية.
وإذا كان ابن هشام لم يذكر، في هذا النص، تهامة اليمن أو جهينة بلفظ صريح فإن الإمام الطبريَّ قد أوضح ذلك على نحوٍ مُبِين؛ وذلك حين قال: ( ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يُؤرخون من خروج سعدٍ ونَهْدٍ وجُهَيْنَة بني زيد من تهامة ؛ حتى مات كعب بن لُؤَيّ ؛ فأرخوا من موت كعب بن لُؤَيٍّ إلى الفِيْل؛ فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة (11) . فقد أفادنا هذا النص – زيادة على التصريح بِسُكْنا جهينة في تهامة – قِدَمَ جُهَيْنَة في هذه الديار؛ قِدماً يعودُ بها إلى زمانٍ سابقٍ لميلاد المسيح عليه السلام .
أما ياقوت فقد جاء في حديثه عن كلمة (شَبَّ) قوله: (ذو الشب شقٍّ في أعلى جبل جُهينة باليمن ؛ يُستخرج من أرضه الشبُّ المشهور) (12). وبَيَّن في موضع آخر مراده من (اليمن) الوارد في هذا النص – فيما أظن – فقال (13) : (وقال أبو المنذر في «كتاب الأفراق » : وظعنت قضاعة كلها من غور تهامة بعدما كان من حرب بني نزار لهم؛ وإجلائهم إيَّاهم؛ وساروا منجدين) (14) . وتهامة – فيما هو معلوم – تشمل أراضي السهل الساحليّ الضَّيِّق الممتد من شبه جزيرة سيناءَ شمالاً إلى أطراف اليمن جنوباً؛ وفيها مُدُن نَجْران ومكة المكرمة وجدة وصنعاء (15) وغيرها؛ وهي – لهذا – تنقسم إلى تهامة اليمن وتهامة الحجاز ، وقد رَجَّحنا في الصحائف الماضية أن تهامة الواردة في النصوص هي تهامة اليمن لاقترانها كثيراً بكلمة اليمن وحِمْيَر؛ ولقرائن أُخرى غيرها . على أن ابن خلدون يرى أن أقدم موطن لقضاعة – وفيهم جهينة على ما مرّ – إنما كان نَجْران ؛ إلى أن غلبهم عليها بنو الحارث بن كعب من الأزد ؛ فساروا إلى الحجاز ؛ ودخلوا في قبائل معدّ ؛ ومن ثم نُسبوا إليه غلطاً (16) .
من هذه النصوص نستنتج أن نشأة جهينة الأُولى كانت – على الأشهر، وفي أغلب الظن – في تهامة بمعناها الواسع الذي يشمل أوطان نزار بن مَعَدٍّ ، حتى قرب مكة المكرمة في الشمال ولا يتجاوزه، كما يشمل أرض سبأ في اليمن . وهكذا بَقِيْتْ جهينةُ ـ فيما يبدو ـ تَحْتَلُّ رقعةً واسعة في شبه جزيرة العرب ؛ تمتد من مواطن سبأ في مأرب ؛ حتى مواطن نزارٍ بن معد قرب مكة ؛ ومما يُؤَيِّد هذا القول ما رواه ياقوت (17) من انتشار ديار جهينة قديماً في أرض أُدَيْم التي تلي جبل السراة متوسطة تهامة واليمن .

2 ـ في نجد :
وظلت قبائل جهينة تُقيم في
هذه الديار إلى أن وقعت حربٌ بينها وبين نزار – لا نعرف من أخبارها كثيراً -؛ اضطرت
جهينة على إثرها للانتقال شرقاً حيت أَصْحَرَتْ في بوادي نجد ووديانها؛ ومن ثم قالت
العرب عنهم: « هؤلاء صُحَار » كما يقول ابن دريد (18) . على أننا لا نعرف العلاقة
بين هذه التسمية وبين بلدة « صُحَار » الكائنة في عُمان (19)؛ والتي كانت مشهورة
بالنسيج وبالأسواق العامرة .

أقامت جهيْنة ونهد وسعد بصُحار نجد زماناً لا
نعرف مداه على وجه اليقين؛ لكنه لا يبدو قصيراً؛ يُسْتأْنس لذلك بقول البكري :
(فكثروا وتلاحق أولاد أولادهم) (20). ولم نعرف من أخبارهم في نجد – بعد أن سكنوها –
شيئاً غير سبب رحيلهم عنها قاصدين بلاد الحجاز ؛ على إثر القتال الذي نشب هناك حين
(وثب حزيمة بن نهد – وكان مشؤوماً فاتكاً جريئاً – على الحارث وعرابة ابني سعد بن
زيد فقتلهما) (21)؛ فكانت هذه الحادثة أحد الدواعي والأسباب الرئيسة لأن تُولِّي
جهينة وَجْهَهَا شَطَر بلاد الحجاز ؛ وتستقر فيها لفترة من الزمن غير قصيرة
.

3 ـ في بلاد الحجاز :
يُقصد بالحجاز ـ كما
يعلم القارىء – جبل السراة ، (أو الشراة) الذي يُمثل حدّاً فاصلاً بين تهامة ونجد ؛
ذلك لأنه (أقبل من قُعْرةِ اليمن – وهو أعظم جبال العرب – حتى بلغ أطراف بوادي
الشام ؛ فسمته العرب حجازاً ؛ وقطعته الأدوية) (22)؛ فعاد جبالاً سكنت جهينة كثيراً
منها على ما يأتي تفصيله .
وقد قصّ البكري أنباء مسير جهينة من نجد إلى الحجاز –
فيما نقله عن ابن الكلبي – فقال: ( وكان أول أمر جهينة بن زيد بن ليث بن أسلُم بن
الحاف بن قضاعة في مسيرهم إلى جبالهم وحلولهم بها؛ فيما حدثني أبو عبد الرحمن
المدنيُّ عن غير واحد من العرب: أن الناس بينما هم حول الكعبة إذ هُم بخلق عظيم
يطوف، قد آزَى رأسه أعلى الكعبة، فأجفل الناس هاربين؛ فناداهم: ألا لا تُراعوا؛
فأقبلوا إليه) (23) …، وعندئذ أنشدهم شعراً؛ ثم ما لبث الناس أن تبينوا أن هذا
الخلق العظيم إنما هو امرأة؛ فسألوها عن شأنها؛ فقالت: ( مَنْ يَنْحَرُ لي كلُّ يوم
جزوراً؛ ويُعِدُّ لي زاداً وبعيراً؛ ويبلغني بلاداً قوراً (24) ، أُعطِه مالاً
كثيراً. فانتدب (25) لذلك رجلان من جهينة ، فَسَارَا بها أياماً حتى انتهت إلى جبل
جهينة ) .

ويمضي البكريُّ في روايته عن ابن الكلبي فيقول: (وناديا [أي
الرجلان] هل من ماء ؟؛ قالت: نعم؛ انْطُرَا في موضع هذا الهضاب… ووجد الجهنيَّان
عند الهضبة الماء، وهو الماء الذي يُقال له: ( مشجر ) (26) وهو ناحِية (فَرْش
مَلَل) من مكة على سَبْعٍ أو نحوها، ومن المدينة على ليلة؛ إلى جانب ( مثعر ) ماءٍ
لجهينة معروف؛ فيقال: إنَّهما بقيا بتلك البلاد؛ وصارت بها جماعة جهينة . وكانت
بقايا من جذام سكان أرضٍ بتلك البلاد يُقال لها (يَنْدَد) فأجلتهم عنها جهينة ..،
فنزلت جهينة تلك البلاد؛ وتلاحقت قبائلهم وفصائلهم، فصارت نحواً من عشرين بطناً؛
وتفرقت قبائل جهينة في تلك الجبال… وانتشروا في أوديتها وشعابها وعِرَاصِها،…
وأسهلوا إلى بطن إضم؛ وأعراضه؛ وهو وادٍ عظيم تدفع فيه أودية؛ ويُفرغ في البحر…
ثم استطالوا على الساحل، وامتدوا في التهائم وغيرها حتى لقوا بَلِيَّاً وجذام
بناصية (حقل) من ساحل تيماء ؛ وجاورهم في منازلهم على الساحل قبائل من كنانة …
فلم تزل جهينة في تلك البلاد وجبالها؛ والمواضع التي حصلت لها بعد الذي صار لأشجع
ومزينة من المنازل والمحال التي هم بها إلى أن قام الإسلام وهاجر النَّبِيُّ صلّى
اللّه عليه وسلم (27) .

هذا عن مسير جهينة من نَجْد إلى بلاد الحجاز ؛ أما
المواطن التي استقرت فيها في بلاد الحجاز ، ومارستْ منها دورها في مختلف شؤون
الحياة العربية فقد أجملها « عَرَّامُ » مُشيراً إلى نطاقها العام دون تفصيل. قال
عرام فيما يرويه السيرافي ، بإسناده: ( أولها رضوى من ينبع على يوم؛ ومن المدينة
على سبع مراحل ميامِنَةً طريق المدينة ، ومياسرةً طريق البُرَيْرَاء لمن كان
مُصْعِداً إلى مكة ؛ وعلى ليلتين من البحر؛ وبحذائها عَزور، وبينه وبين رَضْوى طريق
الْمُعْرِقة (28) تختصره العرب إلى الشام ، إلى مكة (29) . وإلى المدينة بين
الجبلين قدر شَوْطِ فَرَسٍ، وهما جبلان شاهقان منيعان لا يرومهما أحد… ويسكن
ذَرَاهما وأحوازهما (30) نَهْدُ وجُهَيْنَةَ في الوبر خاصَّةً دون الْمَدَر؛ ولهم
هناك يَسَار ظاهر… ومن عن يمين رَضْوَى لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر على
ليلة من رَضْوَى (ينبع ) (31) ، وبها منبر، وهي قرية كبيرة غَنَّاء، سكانها الأنصار
وجُهَيْنَة وليث (32) أيضاً، وفيها عيون عِذَابٌ غزيرة، وواديها يَلْيَلُ يصبُّ في
غَيْقَة ) (33) .

وأكبر الظن أن جهيْنة احتفظت بهذا النطاق المكانِيِّ أو
نحوه إلى زمن العلامة عبد الرحمن بن خلدون المتوفى في العقد الأول من القرن التاسع
الهجري، يدل على ذلك قوله: (… ومِنْ أسلمُ سعد وهُذَيم وجُهَيْنة ونهد بنو زيد بن
ليث بن سود بن أسلم ، فجهينة ما بين الينبع ويثرب إلى الآن في متسع من بريَّةِ
الحجاز … وكلاهما على العدوة الشرقية من بحر القلزم ) (34) . هذا عَرْضٌ عام لقصة
ارتحال جهينة من نجد إلى الحجاز ، وبيان إجماليٌّ للمدَى المكانيّ الذي اتخذته
مستقراً لها ومُقاماً حتى مجيء الإسلام، ومنه يتبين أن منازل جهينة في الحجاز ـ في
عمومها ـ كانت تشغل الجزء السهليّ من الأرض، الممتد من الجنوب إلى الشمال بين
المدينة والشام ، ومن الغرب إلى الشرق بين ينبع ويثرب مدينة الرسول الكريم صلّى
اللّه عليه وسلّم (35) .

ولعلَّ مما يُفيد الباحثين في شؤون قبائل العرب أن
نضع بين أيديهم – من خلال هذا البحث الموجز – ما وقفنا عليه من معلوماتٍ نحسبها ذات
بال، تتعلق بأسماء كثير من القرى والمياه والوديان والجبال التي كانت منازل لجهينة
، استقيناها من أوثق المراجع المَعْنِيَّةِ بهذا الموضوع؛ فهذه ثلاث قوائم؛ إحداها
للهمدانيِّ ، وثانيهما للبكريِّ ، والثالثة لياقوت الحموي ، رتبناها – كما ترى –
حسب قِدَم المراجع :
قائمة الهمداني (ت نحو 350) (36)
:
الأشعر ؛ الأجرد ؛ يَنْدَد ؛ مثغر ؛ وادي غَوَى (رَشَد) ؛ قُدْس ؛ آرة
؛ رَضْوَى ؛ صِنْدِيد ؛ إضم ؛ الصَّفْرَاء ؛ ساية ؛ ذو خشب ؛ الحاضر ؛ ثقباء ؛ نعف
؛ بُوَاط ؛ المُصَلَّى ؛ بَدْر ؛ جفجاف ؛ رُهاط ؛ وَدَّان ؛ يَنْبع ؛ الأثاية ؛
الرُّوَيْثة ؛ المَجْنَبِيّان ؛ الرَّوْحَاء ؛ حقل ؛ ذو المروة ؛ العِيْص ؛ فيف
الفحلتين ؛ فيف الريح ؛ خيبر ؛ فدك ؛ حرة النار ؛ يَيْن ؛ الرَّبَذَة ؛ النقرة ؛
إرَن ؛ صُفَيْنَةُ ؛ وادي القرى ؛ الحَوْرَاء ؛ العَرْج .

قائمة البكري (ت487هـ) (37) :
الأشعر ؛ الأجرد ؛ مثعر ؛
يَنْدَد ؛ قُدْس ؛ آرة ؛ رضوى ؛ صِنْدَد ؛ إضم ؛ ذو خشب ؛ الحاضرة ؛ لقف ؛ العِيص ؛
بُوَاطٍ ؛ المُصَلَّى ؛ بَدْر ؛ جفاف ؛ وَدَّان ؛ يَنْبُع ؛ الحَوْرَاء ؛ العَرْج ؛
الخَبْتِين ؛ الرُّوَيْثَة ؛ الرَّوْحَاء ؛ حقل ؛ ذوالمروة .

قائمة ياقوت (ت626هـ) (38) :
أجرب ؛ أجرد ؛ الأشقر ؛ شَعْر ؛
وادي القرى ؛ الحِجْر ؛ الصَّفْراء ؛ ذو المروة ؛ ذَهْبَان ؛ أَشْمَذَان ؛ يَيْن
(أين) ؛ إضم ؛ تَيْدَد ؛ ظبية ؛ الجَعْلان ؛ جَبَل القَبَلِيَّة ؛ قِرْس ؛ حرّة
النار ؛ رَضْوَى ؛ مثعر ؛ الخَبَط ؛ بُوَاط ؛ حَرْحار ؛ يَنْبُع ؛ صُحَار ؛
الأسْوَد .

بمقارنة هذه القوائم الثلاث يظهر ما يلي
:
أولاً : أن جهينة ظلت تحتفظ بأماكنها القديمة
تقريباً في بلاد الحجاز لأكثر من ثلاثة قرون على الأقل؛ يدل على ذلك ورود هذه
الأماكن في قائمة البكري الذي عاش حتى أواخر القرن الخامس الهجري ؛ وياقوت الذي عاش
في القرن السابع الهجري. وهي نفسها تقريباً الأماكن التي ذكرها الهمدانيُّ الذي عاش
في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (39).

ثانياً
: أن جهينة تَوَسَّعَتْ في بلاد الحجاز ، فامتلكت بلاداً أُخرى لم تكن لها
في القرون الأُولى؛ بدليل عدم ذكر الهمداني لها، في حين ورد بعضها في قائمة البكري
، وبعضها في قائمة ياقوت الحموي ، مثل: لقف ـ بدر ـ الختبين ـ أجرب ـ شَعْر ـ
الحِجْر الصفراء ـ ذهبان ـ أشمذان ـ ظبية ـ الجَعْلان ـ جبل القبلية ـ قِرْس ـ
الخَبَط . وهذا أمر طبعيٌّ، فالتوالد الذي يتبعه التكاثر بداهة، وطبيعة الْبَدْوِ
في التنقل إلى حيث يُوجَدُ الماءُ والكَلأُ يستلزمَانِ هذه الظاهرة.

ثالثاً : اختفت من القوائم بعض الأماكن التي كانت لجهينة في
العصور الأولى، ولا نعلم إن كان ذلك راجعاً إلى تبدل أسمائها، أم إلى رحيل جهينة
عنها.

رابعاً : تحرفت بعض أسماء الأماكن التي كانت
لجهينة ؛ فوردتْ في القوائم المتأخرة على صورة تُخالف ما كانت عليه في قائمة
الهمداني . وهذه الظاهرة مفهومة مُعَلَّلة، فالتقادم يُعَدُّ من أقوى أسباب التحريف
في كل زمان ومكان، ليس تحريف الأماكن حسب، بل تحريف الأخبار والوثائق والنصوص وغير
ذلك من آثار الإنسان المقتدم، أيضاً (40) . من أمثال هذا التحريف الذي نحن بصدده –
كما يُلاحظ في القوائم -: الأشقر بدل الأشعر ؛ مثعر بدل مثغر ؛ تَيْدد بلد يَنْدَد
؛ صِنْدد بدل صِنْديد ؛ جفاف يدل جفجاف؛ وهكذا .

بعض آثار جهينة في بلاد الحجاز
:

ولما جاء الإسلام وقامت دولته في المدينة (يثرب)
بدأ اسم جهينة يظهر مقترناً بكثير من الأحداث السياسية التي شهدتها بلاد الحجاز ؛
ورأيناها تُشارك – أفراداً وجماعات – في صُنْع الأحداث التي كان لها آثارها في
انتشارها الإسلام وسيادة مبادئه ؛ ففي السنة الأُولى للهجرة حدثنا الطَّبَريُّ عن
صلاتٍ للرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم بجهينة ؛ وذلك عندَ عودته من غزوة
الأَبْواء ؛ وقبل وصوله إلى المدينة ؛ فقد بعث، عليه الصلاة والسلام، عمه حمزة بن
عبد المطلب رضي اللّه عنه في ثلاثين راكباً من المهاجرين إلى سيف البحر من ناحية
العِيص ؛ أرض جهينة ؛ غير أن الطبريَّ لم يشأ أن يذكر لنا شيئاً عن طبيعة هذا
الاتصال (41) .

وفي السنة الثانية
للهجرة توجه صلى اللّه عليه وسلّم إلى بُواط أحد جبال جهينة بناحية رَضْوَى ، يُريد
قريشاً، (ورجع ولم يلق كيداً) (42) الأمر الذي يُستنتج منه أن الصِّلات بينه صلّى
اللّه عليه وسلّم وبين الجُهَنِيِّين – إن لم تكن صلاتُ وُدٍّ ووئامٍ – صلاتُ أمْنٍ
وسلام .

وفي غزوة بدر الكبرى
التي تمثل انطلاقة الإسلام نحو السيادة والتمكين؛ شارك أفراد من جهينة في خوض
غمارها؛ من هؤلاء الأفراد: عَدِيٌّ بنُ أَبي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيُّ (43)
. ويتحدث البكريُّ عن بعض الصحابة من جهينة الذين كانوا يسكنون قُرَى تجاور المدينة
غير بَعيد فيقول: (وذو المروة من أعمال المدينة، قُرى واسعة وهي لجهينة ؛ كان بها
سَبْرَةُ بن مَعْبَدٍ الْجُهَنِيُّ صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وولده
إلى اليوم فيها، بينها وبين المدينة ثمانية بُرُد) (44) . وقد مَرَّ ذكر (ذي
المروة) هذا في قائمة البكريّ وغيرها (45) .

على أن أثر
جهينة الفعَّال في تثبيت دعائم الإسلام ودولته في المدينة المنورة يتجلَّى أكثر ما
يتجَلَّى في فتح مكة المكرمة عندما اشتركتْ، بفعالية، في زحف الجيش الإسلامي الذي
فتحها في السنة الثامنة للهجرة المباركة، وقد شهد أبو سفيان بن حرب – الذي حبسه
العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه بأمر النبيِّ صلّى اللّه عليه وسلّم عند خَطَمِ
جَبَل، ليَرى جُنْدَ اللّه الزاحف – شهد أبو سفيان هذا جُمُوعَهَا تزحف على مكة مع
جند المسلمين في جيشها الذي بلغ عددُ أفراده ألفاً وأربع مئة
مقاتل
؛ في حين كان جيش بَنِي غِفَار أربع مئة لا يزيدون. وكان يَقُوْدُ
جهينة آنئذ ـ فيما يقود ـ سيف اللّه المسلول خالد بن الوليد ، وقد دخل بها من
(اللِّيط ) أسفل مكة (46) . ولا شكَّ أن هذه الكثرة النسبية التي ظهرت بها جهينة في
جيش الفتح تدل على ضخامة هذه القبيلة وكثرة بطونها وأفخاذها.

امتد تأثير جهينة السِّياسيُّ على مدار التاريخ
الإسلامي؛ وفي كل بلد هاجرت إليه؛ فشاركتْ في نشر مبادئ
الإسلام في مكة والمدينة كما رأينا؛ وشاركتْ في زحف الجيوش الإسلامية على
الشام ؛ والعراق ؛ ومصر ؛ والسودان – كما سنرى -؛ وناصرت الثوراتِ؛ وانغمست في
الفتن والصراعات التي اندلعت على عهد الأمويِّين والعبَاسيين .

وأبرزُ مثل يُساق للتدليل على وزن جُهينة في أحداث
التاريخ على عهد العباسيين : دَوْرُها الواضح في ثورات العلويين في الحجاز ؛ لا
سيما ثورة محمد بن عبد اللّه بن الحسن ، المشهور بالنفس الزكية؛ ضد الخليفة
العباسيّ أبي جعفر المنصور الذي حكم ابتداءً من سنة 136هـ. حدّث الطبَريُّ بسنَده
بما فحواه: بعث أبو جعفر المنصور سنة 144هـ. رجلاً إلى المدينة المنورة ، فدخل على
عبد اللّه بن الحسن ، وسأله عن ابنه محمد ، فأجابه: إنه في جبل جُهَينة (47) . فهذا
– مع سير الأحداث اللاحقة – يدل على أن جهينة قد انضمت إلى هذا التأثر العلويّ منذ
وقت مبكّر، ولهذا نراه يطمئنُّ إليها، فيقيم بين ظهرانيها، ملتمساً الحماية عندها
وفي جبالها. وأكبر الظن أن هذا الصنيع أثار غضب المنصور ، وأحفظه على جُهينة ، يدلّ
على ذلك أن المنصور ما كاد يُنهي حجّه هذا العام حتى بادرفأمر واليه على المدينة
رياح بن عثمان بن حيَّان المُرِيَّ بالقبض على عبد اللّه بن الحسن ، وابنيْه: محمد
وإبراهيم ، وإخوته وجميع أشياعه ومنهم جهينة ، ويُوثق الجميع كتافاً، ثم يبعث بهم
إليه في الرَّبَذَةِ ، يقول الطبري : (قال محمد بن عمر : أنا رأيت عبد اللّه بن
الحسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد… قال محمد بن عمر ،
قال عبد الرحمن بن أبي الموالي : وأخذ معهم نحواً من أربع مئة من جُهينة ومُزَينة
وغيرهم من القبائل، فأراهم بالربذة مُكَتَّفِيْنَ في الشمس) (48)
.

على أن الثورة العلوية لم تَنْتَهِ عند هذا الحَدّ ـ
كما هو مبسوط في مَظَانِّهِ ـ وإنما أخذتْ تتعاظم أحداثها حتى انتهت إلى صِدَام
مسلَّح بين العباسيين وبني عمومتهم العلويين ، كما أن تأييد جُهينة لم ينته عند
المشايعة والمناصرة باللسان، فما كادت تندلع الحرب بين الفريقين حتى رأَيْنَا
جُهَيْنَة في طليعتها. يقول الإمام الطبريُّ (وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن
الثقة عنده، قال: أجاب محمداً لما ظهر أهلُ المدينة وأعراضها وقبائل من العرب منهم
جهينة ومزينة … فكان يُقدم جُهَيْنَة ؛ فغضبت من ذلك قبائل قَيْس ) (49) .

 

( كرما لانستغني عن تكرمكم بأي إضافة او تعديل ترونه مع الإعتذار سلفا عن أي تقصير )
 

أترك تعليق