لا أمن غذائي في تغييب الأمن المائي .. د. محمد حامد الغامدي-(11 فبراير 2020)

* الأربعاء.. (23 رجب 1414هـ – 5 يناير 1994م).. في (مجلة اليمامة).. أطلقت مقولة.. [الماء أرخص موجود وأغلى مفقود].. في واحد.. من أشهر.. مقالاتي العلمية.. عن الماء.. بعنوان.. [الماء يبحث عن إدارة].. جاء في وقت.. كانت زراعة القمح والشعير والأعلاف.. تستنزف من المخزون الإستراتيجي.. غير المتجدد.. (17) مليار متر مكعب سنويا.. كانت الأعلاف وحدها.. تستنزف النصف.

* لم تتحرك الوزارة لتصحيح الوضع الزراعي، وقد وصلها المقال. رد وزيرها بالنفي، في مقابلة على التلفزيون، ثم أضاف: (اجتهدنا). لماذا أخضع الوطن ومستقبله للاجتهاد؟ بعد (20) عاما على تلك المقابلة، والمقالة، والمقولة، ارتفع استنزاف زراعة الأعلاف وحدها، إلى (17) مليار متر مكعب. هذا يعادل نصيب السودان من نهر النيل سنويا. بخلاف الزراعات الأخرى، ومنها النخل، وقد أصبح نصف إنتاجه، فائضا عن الحاجة.

* كيف ستُحقق الوزارة الأمن الغذائي، في ظل حقائق الاجتهادات الزراعية العشوائية، وقد أفضت، لاستنزاف (700) مليار متر مكعب، من المخزون الإستراتيجي لأمننا الغذائي؟ هل استمرأ القوم أمر تلك المقولة، لتكريس ثقافة الاستنزاف والإهدار، بدلا من أن تقوم بدورها، لتعزيز الأمن المائي؟

* بمرارة أتساءل: متى تكترث الوزارة بالأمن المائي لصالح الأمن الغذائي؟ من يفرّط في المياه المحدودة الإستراتيجية، في ظل ندرة مواردها، لن يكترث أبدا، بأمنه الغذائي. وقد زادت شعارات الترشيد المرفوعة من ثلاثة عقود، وزادت مجلدات الأنظمة ذات العلاقة، وظل التساؤل قائما حول أمننا المائي.

* لماذا لم يصلوا مرحلة الإحساس بالخطر؟ لماذا لم يتلبَّسهم القلق على الماء؟ لماذا لم يؤرقهم مدلول ومعنى ندرة المياه؟ لماذا لم يقلقوا من كون المملكة من أفقر عشر دول مائيا على مستوى العالم؟ لماذا يتجاهلون أن الاستنزاف يفوق التعويض بعشر مرات، في مناطق المياه المتجددة؟

* أين الإستراتيجية الزراعية، المراعية لندرة الماء في بلدنا، حفظه الله؟ هناك من يعمل عكس تيار الأهمية، ويغرد خارج سرب القلق على المياه. شغلتني تلك الندرة طوال العقود الماضية، وما زالت، وستظل، فشخصي لا يطالب بحاجة شخصية. أطالب بالعمل لإنقاذ المستقبل من العطش؟ أليس هذا عملا كريما ومعطاء وإنسانيا؟

* ورغم ذلك… مضايقتي لم تتوقف، آخرها كان بعد تكليفي، بمسئولية تقديم محور الماء في ورشة عمل استثنائية، ستقام في مدينة (تنومة) بمنطقة عسير، تُعقد بتوجيه كريم من صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال، أمير منطقة عسير -حفظه الله-. لتنفيذ توصيات [المؤتمر الدولي الأول للبيئات الجبلية شبه الجافة]، والذي تم عقده في مدينة أبها العام الماضي. كان مقررا عقد الورشة في شهر يناير، لكنها تأجلت إلى شهر مارس القادم. كتبت عن هذا قبل أسابيع، وقد جهزت نفسي وعدتي وعتادي.

* بعد مقالي الأسبوع الماضي بعنوان: [الماء قضية الجميع]، اتصل الدكتور منسق الورشة، وكان قد كلفني مشكورا، بمحور الماء، ونقل اعتذاره لاستبعادي، بسبب محتواه. قائلا: الوزارة مقلوبة بسبب المقال، شكرته وتساءلت، تكدّر صفو الدكتور والوزارة من مقال، لكنهم لم يتكدّروا من اجتهاداتهم الزراعية العشوائية المتواصلة، التي شكلت خطرا حقيقيا على أمننا الغذائي؟ رأيي ليس خاطرة، لكنه ينطلق من قواعد علمية، متشبعة بمشكلة ندرة الماء.

* ذكرني ذلك الاستبعاد الاستعراضي.. برد وكيل جامعتي.. في تسعينيّات القرن الماضي الميلادي.. وذلك بعد رفضه.. إجازة كتابي الأول.. وكان بعنوان: [قبل أن تنضب المياه].. حيث قال: (بتزعل علينا الوزير).. عندها تساءلت: أيهما أهم للوطن.. الأمن المائي أم خاطر الوزير؟ ثم غادرت مكتبه.. مرفوع الرأس.. واستمررت.. واستمر.. الأمن الغذائي يخسر.. في ظل عقول.. الإقصاء والاجتهادات. وتجاهل.. مشكلة المياه الإستراتيجية.

 

أترك تعليق