لماذا هؤلاء النسوة بالذات؟ .. محمد حامد الغامدي-(27 نوفمبر 2019)

* بعد تقاعدي، أتذكر زمن طفولتي وصباي، وأقف أمام إمكانيات (أمّي) في ذلك الوقت، فلابد أن أتساءل بالمقارنة، عن إمكانيات (أمّهات) الزمن الحالي. (أمّي)، حفظها الله، تعيش بمعطيات ثمانية عقود، تغيرت بنُسَخ مختلفة، تحمل السلبيات والإيجابيات، وقد تعرضت لهجرة قسرية، من القرية عام (1971)، ثم كانت الطّفرة عام (1975)، والصحوة التي رافقتها، فأنتجت مجتمعة (أمّا) مختلفة عمّا ألفت.

* أصبحت (أمّي) في قائمة البطالة النسائية، بعد هجرتها من القرية إلى المدينة. حيث انتقلت من المساحة البيئية الطبيعية المفتوحة، التي جعلتها سندا وشريكة كفاح، إلى المساحة البيئية المنغلقة، بسلبيات، صادرت دورها، وشراكتها، وشخصيتها، وهويتها البيئية التي تربت عليها.

* إن (أمّي) كبقية الأمهات في زمن شبابها، ورثت مهارات حياة لم تتغير من قرون. قوالب محددة عبر الأجيال، تدربت لإتقان ممارستها، وكانت هذه مهمتها العلمية والتعليمية والوظيفية. أجادت إتقان دورها، رغم الشقاء والتعب. أستطيع سرد أكثر من (300) مهارة، لحياة الرمق الأخير، كانت (أمّي) تجيد التعامل معها بكل جدارة. تراث مهاري تحول إلى ركام خردة في بيئتها الجديدة. لكنها ظلت (أمّا) تغذي وتعزز، بقيمها التي كسبت، في بيئتها الأصلية، وترسخت للعطاء.

* إن مهمة (الأم) اليوم أكثر صعوبة وتعقيدا، وأعظم مسئولية، ولكنها الأقل شقاء، فكل شيء في حياتها سريع الإيقاع، متغير وجديد، فهي التي تصنع تجربتها، وعلمها، ومستقبلها، وتصنع جديدها، ومهارات حياتها، وعليها أيضا فهم متطلبات أبنائها الحديثة والمتجددة. إن (أمّي)، كمقارنة، كانت تقوم بدور ثابت المهارات، يقود لنجاح الأبناء بالوراثة، وفقا لمعطيات حياة، يرثنها كما يرثن المهارات ونظم الحياة، فتصبح مهمتهن توريثها من جديد، دون زيادة أو نقص. هذا ليس تخلفا بمفهومه الواسع، ولكنها حضارة الرمق الأخير، الأكثر كفاءة، وحذرا، وتأثيرا، وشأنا، حيث يتعاظم عطاء وتعاضد قوة الإنسان والبيئة.

* (أمّي) وجيلها خريجات مدرسة البيئة الطبيعية، وتراثها المهاري الإنساني الثابت. (أمّهات) اليوم خريجات مدرسة التغيرات، والأفكار المتضاربة والمتعارضة، وأيضا يخضعن لقوة وسيطرة التقنيات، والمعلومات المتغيرة. (الأم) في الماضي، وبقدر إتقان التراث المهاري السائد، تصنع مجدها وسمعتها، وسمعة زوجها، وأهلها، وأبنائها. حيث يتعزز صنع الصيت، ليؤسس لكرامة الأبناء، ويعتلي بهم درجات سلم النجاح السائد.

* كان الأكثر تأثيرا على حياتي، إتقان (أمّي) احترام الوقت، وكانت تمارس الحزم في أداء الواجبات اليومية، بعزم ونشاط وحماس ودقة. لا مجال للتقاعس. إنها وظيفة ودور ومسئولية كل (الأمهات). كن مدرسة تطبيق وتنفيذ وتدريب وإعداد. كانت الحياة تحمل منهجا إجباريا للتنفيذ والممارسة، يمثل خلاصة تراكم تجارب تطبيقية ناجحة، ولها تفسيرات علمية. منهج هدفه حفظ استدامة الحياة في أقسى الظروف، وكانت كل الظروف قاسية وصعبة وشاقة في زمن صباهن. كانت القرية مدرسة مفتوحة، والجميع مدرسين، والناشئة طلابا يجنون ثمار التراث المهاري. فالصبيان لهم تراثهم المهاري، وللصبايا أيضا تراثهن المهاري. يعلو شأن كل فرد بمدى إتقانه هذا التراث.

* تنبهت في وقت مبكر، فأهديت رسالتي للماجستير، لخمس (أمهات) من قريتي، عام (1985). اشتهرن، ولظروف خاصة مشتركة، حققن نجاحا بقيامهن بواجبات النساء والرجال المهارية، بذلن جهدا بيئيا واجتماعيا استثنائيا وبتفوق، لصالح مستقبل أبنائهن. وقد نجحن. سعيت لتخليد أسمائهن في إنجازي الأعظم في حينه، اعترافا بتفوقهن، ولتعزيز عطائهن في صنع إرادتي، فأثمر برسالة الماجستير، التي وضعت لتجربتها كتابا، كرسالة لكل الأجيال، بعنوان: (إرادة التحدي). حيث غيرت، بتحدياتها، مجرى حياتي العلمية نحو الأفضل.

* إليهن وجهت الإهداء: [رفيعة بنت إبراهيم؛ صعبة بنت عالي؛ منيرة بنت عثمان؛ صالحة بنت هداية؛ عالية بنت محمد (أمّي)].. تعجب المشرف.. وسألني.. لماذا هؤلاء النسوة بالذات؟ فترك لي أمر الإهداء.. كان عظيما بسؤاله.. وكنت فخورا بقراري، وسأظل.

 

أترك تعليق