جعلنا مياهنا المهدرة بحيرات وأنهارا جارية .. د. محمد حامد الغامدي-(06 نوفمبر 2019)

* تضيع قطرة الماء من البشر.. لكنها لا تضيع أبدا من الأرض.. فهي الوعاء الأمين.. حتى لسكان العالم.. وقد تجاوز عددهم (7.5) مليار فرد.. يعيشون على يابسة.. تمثل (29) بالمئة من كوكبنا.. ويحتل الماء (71) بالمئة.. ومع ذلك نحن مهددون بالعطش والجفاف. لماذا؟

* حجم الماء ثابت في كوكبنا الأزرق، لا يزيد ولا ينقص، يتنقل كبخار من مكان لآخر بفعل الرياح، ويتكثف ويسقط مرة أخرى، وفقا لشروط بيئية ومناخية وجغرافية. هناك دورات طبيعية لمتطلبات الحياة في كوكبنا، تؤدي وظيفتها، وفق توازن دقيق. لكن البشر يُبعثرون أوراق هذا التوازن. تقول العرب: [الإنسان عدو نفسه]. يتضح ذلك جليا، مع كثرة وتفشي أمراض ممارساته السلبية، يأتي في مقدمتها التجاوزات والتدمير، الجشع والطمع، الإفساد والفساد، والأنانية والتجبر.

* تجاوزاتنا مع الماء جريمة، في ظل ندرته، ويظل التساؤل الرباني في القرآن الكريم، قائما: [أفلا تعقلون]؟ تجاوزات تعاني منها المياه، تغيب عنها حكمة العقل الرشيد. هناك مخزون تراثي، بمدلول وحكمة في الحياة، منها هذا المثل العجيب: [ينخش عينه بإصبعه]، أي (يقتلعها عنوة). هذه حقيقة ما نفعل، مع مياهنا في ظل ندرتها.

* إن الخرائط الجغرافية والمناخية، تقول بندرة المياه، وشحها، ومحدوديتها في بلدنا، حفظه الله. ماذا أعددنا لهذه الحقيقة المرعبة؟ نتجاهل إدارته، نسيء استخدامه، نهدره دون حساب، نستنزفه بشكل جائر، لا نحسب عواقب ندرته، نلوثه ولا نحترمه كنعمة.

* أصبح استهلاكنا للماء لا يراعي الحقائق البيئية. أليست هذه تهلكة بيّنة؟ جعلنا التضحية بالماء محورا، لجعل صحارينا خضراء ضد إرادة البيئة، استنزفنا أكثر من (700) مليار متر مكعب من مياهنا الجوفية الإستراتيجية على زراعات عشوائية، جفت جميع العيون الفوارة في واحاتنا، أصبح استهلاك الفرد السعودي يصل إلى (450) لترا يوميا في بعض المدن.

* في ظل ندرة الماء، نحن الوحيدون في هذا العالم، من جعل لمياهنا المهدرة بحيرات وأنهارا جارية، ثم نتغنى بها، ونسعى لجعلها معالم سياحية. أصبحنا نسقي مزارع نخيل التمر، بمياه الصرف الصحي المعالج، ونروي أشجار الشوارع بالمياه الجوفية النقية.

* وهذا المطر.. يأتي ويذهب، ونحن في موقف المتفرج. كأننا نقول: برَّا وبعيد. علما بأن المطر مصدر جميع المياه العذبة في العالم، وسيظل المصدر الأهم والإستراتيجي للمياه العذبة. كنت أسمع (شيبان) الزمن الجميل في قريتي، يدعون الله توسلا وتضرعا، حال نزول المطر، قائلين: (يا الله غَزّرْه). أي اجعله غزيرا. اليوم لم يعد المطر في أهمية الماضي، ليس لأن الماء غير مهم، ولكنها العقول لا تعيش ظروف بيئتها، ومتطلبات التصالح والتعايش معها.

* وهذه المدن، وقد غاب عن مخططيها احترام نعمة ماء المطر، فأصبح يشكل نكدا، ومضرّة، ومشكلة، وحالة طوارئ. نهتم ببناء الرصيف وننادي باحترامه، ولا نحترم مياه الأمطار، ولا نعطي لها شأنا. نُعطي للشارع عناية، ولا نُعطي لماء المطر وزنا وقيمة. ننشئ أنفاقا أسمنتية، بتكاليف باهظة، للتخلص من مياه الأمطار، في وضع أشبه بالتخلص من زبالة هذه المدن.

* لا أدعو لشيء، لأن الجميع في الجهات المسئولة يغردون خارج سربي. مشغولون بإعلانات ترشيد استخدام المياه. مشغولون بنشر إحصائيات الزراعات العشوائية. مشغولون بترسية مشاريع تجميل المدن، بالمزيد من تصريف مياه الأمطار إلى الضياع، والمزيد من استنزاف المياه الجوفية لتشجيرها.

* نعيش خطأ تاريخيا فادحا مع الأمطار.. جعلنا حتى بيئتنا المطرية.. تلفظ ماء المطر على ندرته. إنها مؤشرات العطش القادم.. حتى إستراتيجية المياه الجديدة.. لم تقدم أي مشروع لحل مشكلة المياه الإستراتيجية. إلى أين نحن ماضون بالأجيال القادمة؟ هل نعيش غفلة إنقاذ المستقبل من العطش؟

 

أترك تعليق