بقيق وطني .. د. محمد حامد الغامدي-(19 سبتمبر 2019)

خرجت إلى الدنيا، في قرية منسية، كل شيء يدور في حياتها كان بالوراثة. لا شيء يتجدد غير الإنسان بنسله، يتوالد ليحافظ على امتداده. كأن هذه النسل هو التنمية الأساسية المستدامة، للأوائل من أجدادي في قريتي. وكان أبي قد خرج منها، يحمل الأمل والطموح. هاربا بجلد يغلف تعب الجسد الذي ورثه. رست به الأقدار والظروف، في خمسينيات القرن الماضي، في بقيق، مدينة الصفيح والمعاناة في ذلك الوقت. كان شابا وحيدا ينشد بعض المال، يعود به إلى قريته. لم يكن والدي علم أنه أحد مؤسسي بقيق، مع جموع السعوديين وقد قدموا في قوافل، وأرتال، إلى المقاطعات الشرقية، كما كانوا يقولون.

· استوقفت المسؤولية والدي، رحمه الله، مع دخان غاز مصانع التكرير، الذي تشبع به دراية وعلما وعملا وطموحا. استحضر المستقبل، قرأه، أتقن القراءة، فقرر في يوم حاسم، في إحدى إجازاته في القرية قرارا تاريخيا غير مجرى حياته وأبنائه، وهكذا البقية من رفاق دربه من كل أرجاء المملكة. كانوا في رحلة سنوية أو كل سنتين، بعضهم يتعدى السنوات الثلاث، دون أن يعودوا لأهلهم الذين ينتظرون قدومهم، مع بعض فرج الصبر والغربة والانتظار. هكذا في كبد ومعاناة. كان ذلك اليوم في عام 1961م، حيث سافر بطفله (كاتبكم)، إلى بقيق. طفل لم يتجاوز السادسة. هكذا انتقلت من القرية إلى المدينة البترولية. لم أكن أعرف شيئا. لم أكن مدركا لأي شيء. لم أكن أرسم أي شيء. الذي أذكر، أنني أعيش بعيدا عن أمي وقريتي. كنت برفقة أبي لأول مرة في تاريخ حياتي. لم أكن أراه إلا شهرا كل سنتين. لم تكن كافية حتى لرسم صورته في ذاكرتي الطرية بشكل جيد.

· هكذا أصبحت بقيق المدينة التي غيرت حياتي نحو الأفضل، ثم عرفت أنها بقيق عاصمة النفط في العالم. عاصمة الطاقة في العالم. وعاصمة التغيير في العالم.

· في بقيق حصلت على الشهادة الابتدائية. في بقيق حصلت على الشهادة المتوسطة، وفيها تم زرع مستقبلي دون علمي. في بقيق شاهدت أول تلفزيون في حياتي. وفيها شاهدت أول أمريكي. وشاهدت نور الكهرباء. في بقيق شاهدت أول خزان ماء يعتلي أرضها. كل شيء في حياتي تكون في بقيق، وظل معي إلى اليوم. في بقيق عرفت أول حب للوطن، وأول مسؤولية، وأول نجاح، وأول تحدٍ، وأول امتحان للإرادة. في بقيق أكلت أول طبق مكرونة في حياتي، وعشت مع كيك أرامكو وعشت مع مقاضي (الكانتين) الشهير، أشبه بالسوبر ماركت في أيامنا هذه. في بقيق حضرت أول عرض سينمائي في حياتي. في بقيق عزفت أول آلة موسيقية في حياتي، وذلك في مدرستها المتوسطة النموذجية.

· غادرت بقيق بعد الشهادة المتوسطة، ولكن بقيق لم تغادر ذاكرتي إلى اليوم. بقيق مدينة جهد العامل السعودي، مدينة عطائه وإنجازاته. بقيق أول جامعة سعودية تقنية، أصبحت بيتا يدرب ويربي ويرعى. أصبحت بقيق أشبه بخلية النحل، تعطي طرودا جديدة من الخبرات، وتهاجر في كل اتجاه، لتواصل البناء والعطاء، ورسم حضارة المستقبل.

· بقيق مدينة الآمال والتطلعات والجهد والكفاح. مدينة الآباء الذين أسسوا بعرق الجبين مستقبل كل الأجيال. بجهدهم أصبحت بقيق أم العالم. وبجهد الرعيل الأول من الآباء أصبحت نور الدنيا، حيثما وليت وجهك. وكان عطاؤها للعالم أجمع وخيرها للعالم أجمع.

· بقيق وطني، ومسؤوليتي، وحياتي. بقيق دونك رقابنا ودماؤنا، فأنت جزء من الوطن الكبير المملكة العربية السعودية. يحاولون بقذارتهم منع نعمة الله على العالم. هم الخونة. هم الصفويون. هم المجوس. هم الأعداء. نحن العرب أهلها، أذكرهم فقط بأننا مازلنا نحمل نفوس، وهمة، وإرادة، وتحدي أجدادنا في معركة ذي قار. الله أكبر.

 

أترك تعليق