أزمة العقل العربي الجمعي .. محمد سالم الغامدي-(06 أغسطس 2019)

لا شك بأن الحديث عن الأزمة التي يمر بها العقل العربي منذ قرون لا تكفيه هذه المساحة الضيقة لما لهذا الموضوع من تشعبات اجتماعية ومذهبية وطائفية، لكل منها مسارب أخرى لا تقل أهمية عن الأصول التي تفرعت منها، لكني هنا سوف أكتفي بسرد الجوانب التي تحتل الأولوية فيها والتي كان لها بالغ الأثر في تنامي حالتها الإيجابية والسلبية على حد سواء فنقول:

إن العقل العربي قبل بزوغ الشريعة المحمدية التي جمعت فيها خلاصة كل الشرائع السماوية وختمت بها وتمثل ذلك في كتاب الله الكريم المنزَّل على نبيه ورسوله خير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، قبل ذلك كان العقل العربي يشكو حالة اجتماعية تتسم بالتناحر والتنافر القبلي الذي أودى بهم جميعاً إلى ساحات ممتدة من الحروب والصراعات بالإضافة إلى التفكك الاجتماعي الذي يتغلب فيه القوي على الضعيف.

أما الحالة الدينية التي سادت خلال تلك الفترة فكانت تتمثل في عبادة الأوثان والتبرك بها فرادى وجماعات واستمر ذلك الحال المشتت الممزق حتى نزل الوحي واكتملت الرسالة فيه تشريعاً في الجوانب التعبدية والمعاملاتية، وقيمياً في القدوة المحمدية فختمت تلك الرسالة بقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، وتم البلاغ الكامل التام. ثم استمر ذلك الحال فترة وجيزة لا تتجاوز نصف قرن حتى بدأت مؤشرات العودة إلى ميدان الحالة التي كانت قبل النبوة لكنها كانت ذات صبغة مختلفة وجموح أقل والسبب في ذلك يتمثل في تحول مغذيات العقل العربي من المصدر الأساس للتشريع وهو القرآن إلى المغذي البشري الذي برز في صورة بعض الشخوص.. وهنا بدأ الانقسام الفكري الذي يرتكز على الجانب الديني الذي تبناه واعتصم به كل فرد لكن باتجاه الشخوص البشرية لا المصدر الأساس فتحول المجتمع العربي ومن في معيتهم ممن دخل في رحاب الإسلام إلى اتباع جمعي لهؤلاء الشخوص الذين أسسوا مناهجهم على أصول مستحدثة كأصول الفقه والحديث التي انحرف الكثير منها عن المصدر الأساس وهو القرآن إلى ما اطلق عليه مصادر تشريع ليس لها مكان في التشريع، كون التشريع قد اكتمل كما أوردنا ذكره في كتاب الله، وما قامت عليه تلك المصادر يقوم على الاجتهاد والقياس، أما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لم تخرج عن ما جاء به كتاب الله وما فصلته من مجمله فقط ولكن وللأسف الشديد امتزج بها الكثير من المكذوب والضعيف دفع بها أصحاب المصالح السياسية لتأصيل نفوذهم بالاضافة إلى نشوء حالة من الصراع بين تلك المناهج دفع ببعض التابعين لها إلى تضمين تلك الأكاذيب لمناهجهم لغرض تقويتها.

ونتيجة لتلك الحالة التي تبلورت فيها العقلية العربية الممجوجة نشأت قضايا جانبية أشغلت الفكر قروناً كقضية المرأة التي أصبحت الشغل الشاغل للعقل العربي ثم برزت قضية أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها وهي المبالغة في تقديس الشخوص كرجال الدين وأصحاب المال حيث تحول العقل العربي من التدبر والتفكر والبحث عن المعرفة التي أمر بها الرب في كتابه العظيم إلى تلك المسارب المظلمة التى اختزلت ذلك الدين العظيم في ميادينها المظلمة السالفة الذكر. والله من وراء القصد.

 

أترك تعليق