إذا وقفت معك البيئة فلا تخسرها (9) .. د. محمد حامد الغامدي-(10 يونيو 2019)

مع نهاية الثلث الثاني من ارتفاع جبل شدا الأعلى، نزلت من السيارة بعد زحفها على سطح صخرة، تم تهيئتها يدويا لعبور السيارات. تشعر بخفقان القلب، خوفا ورهبة، وذلك من تجاوز حدود الطريق الضيقة. تشرف على انحدار قائم الزاوية، كأنه يقول: ابتعد.. انجُ بنفسك. وبعد اجتيازه بسلام، وصلت ساحة بيت إسمنتي، مشيّد على سطح صخرة، مغروسة بجوف الجبل.

يقع البيت بجانب جلمود صخرة عظيمة، تحوي تجاويف، كأن أحدهم وضعها عنوة على سطح المدرج الزراعي الضيق العرض. البيت والجلمود يقعان في طرفه. يستظل هذا التكوين بظل شجرة (رُقَّعَة) ضخمة. الجميع يطل على فراغ هائل، يعتلي سهول تهامة، بارتفاع شاهق يزيد على (1500) متر. لوحة تزيد من تعلق النّفس بخالقها دهشة وعظمة.

تتعجب من الموقع، والمنظر، وفلسفة المكان وتكوينه. جلاميد صخرية، بيوت مهجورة، مساطب متصحرة فقدت أشجار البن مع أهله. كيف غاب فن اتقان التعامل مع المكونات الطبيعية، ولماذا؟

تزداد الدهشة، عندما نعرف تأثير شجرة البن الشدوي، على الحياة الاجتماعية والاقتصادية لأهل بلاد غامد وزهران عبر تاريخها. وفيه قال أحد الشعراء الأقدمين، الأبيات التالية: (والله إنّا ودَّنَا تبقى مكانك يا شدانا/ لَجْل فيك البُن ومكانك من أعز المكاين/ وما علينا م الجبال الثانية لو تتهادم).

وجدت البيوت الحجرية التاريخية أطلالا مُهدّمة، كبقية بيوت القرى التاريخية في منطقة الباحة. وجدت بيوتا حديثة مهجورة من الإسمنت المسلح. سألت عن أهلها. أجاب أحدهم، بأنهم انسلوا الواحد تلو الآخر. استوطنوا مدينة المخواة التهامية في قعر الجبل.

معذورون.. الحياة بظروفها الجديدة، أسهل وأكثر رحمة ورأفة، من العيش في جبل شدا الأعلى. لكن علاقتهم ظلت قائمة، ببيوتهم المهجورة، ومدرجاتهم التي تصحرت. لهم زيارات في أوقات عشوائية وفقا لظروفهم. يزورون المكان، ليثبتوا لأنفسهم وأجيالهم، انتسابهم لمواقع، حددتها الظروف التي مضت. الأهم، انتماءهم للجبل شموخا وقوة وأصالة.

كالبقية.. هبت عليهم رياح التغيير، بثمار الحياة الرغدة. أصبحت أكثر راحة وإمكانيات. غطَّت على العلاقة مع المكان الصّارم. وقد عاشوا قسوته. جفل الجميع إلى أمكنة أكثر عطفا وراحة. لكنهم حافظوا على روح بقاياهم، دافئة في جبلهم. لا تدري متى يزورون ويغادرون؟ وحتى تعرف، لا بد أن تقيم في المكان الصامت. ستصبح أمامه للفرجة. يتساءل عن سبب وجودك.

تساءلت لحظتها ما وظيفتي في المكان؟ غريب حتى على هواء المكان، وحديثه الذي لم يتوقف. أصغيت إلى الجلاميد الصخرية. عرفت منها وظيفتها السرمدية، لغسل النفس وتحقيق الصفاء المستدام. وظيفة تبددت مع هجرة إنسانها، وقد آلت إليه كل صنوف سلسلة الحياة التي مضت. لقد بدأ تدمير كنوزها في ظل غياب الوعي بأبعاد أهميتها.

عندما تؤول الأشياء لأجيال لا تقرأ مدلول قيمتها وفلسفة عطائها، فإنها تتحول إلى عبء، يدعو إلى التخلص منها. هكذا قرأت الأمكنة والمشاهد في جبل شدا الأعلى. قرأت المستقبل الذي رأيته مدمرا، بفعل جهل، وقلة حيلة، وغياب إدارة.

تنمية المكان وتحويله لمعالم سياحية جاذبة ليست مسئولية أفراد، ولن تكون بدون خطة وطنية شاملة لبيئة المكان. الأفراد يقعون أسرى لإمكانياتهم. ونتيجة لذلك تصبح الأشياء التابعة لهم، أسيرة لقبضة تلك الإمكانيات. رأيت سلبياتها تزيد من أوجاع المكان في جبل شدا الأعلى. سلبيات ستقضي على تاريخه، ومشاهده الطبيعية الجميلة.

تصبح البيئة ضحية أهلها، عندما يعتقدون بأنهم ينفعونها وهم لا يفعلون. وعبر التاريخ كان الأهل يرون أنفسهم مؤتمنين على البيئة، إلى أن جاء من يعتقد أنه ورثها، فتصحرت. ويستمر الحديث.

 

أترك تعليق