لا تردين الرسايل ويش أسوي بالورق .. د. يعن الله الغامدي-(09 فبراير 2019)

عندما كنت أفتش في مكتبتي التي كنت أستأنس بها من غربة الفراغ وكآبة الفوضى عن قصائد مفقودة لي وجدت مجموعة من الرسائل الورقية المحبوسة.ولم يكن على بالي بعد أكثر من أربعين عاما أنه سيأتي ذلك اليوم الذي نستغني فيه عن تلك الرسائل البريدية بما فيها من جمال السرد وجلال المعنى، إذ لم يكن التواصل حينها لا يتم إلا بواسطتها وما إن أخرجتها من ظلماتها الثلاث إلا وهي تحملني فوق جمال ذلك الورق إلى طعم ذلك الزمن ونكهة تلك الذكريات!والحقيقة فمنذ زمن ليس باليسير بدأت تتوارى تلك الرسائل الورقية حيث كانت تجوب البلاد وتقطع الوهاد في زمن الغربة والأحوال الصعبة وهي تبحث عمن ينتظرها فيما وراء خمائل القمر.إن نكهة الرسائل الورقية أصبحت شيئا من الماضي الذي كان له جماله ونمطه عندما كانت الرسالة تبدأ بالبسملة، ثم التحية والسلام موشومة بخط جميل يظهر من خلاله مهارة المرسل حسب الهدف من الرسالة، إن كانت لقريب أو صديق أو حبيب، ويذيل الرسالة بالشكر والدعاء ثم التوقيع مع ما يحلّيها من أشكال القلوب وأنواع الورود ..الخ.وإن كنت ما زلت أتذكر الأيقونة الرسمية التالية والثابتة في كثير من الرسائل (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأزكى وأشرف تحياته على الدوام أدام الباري علينا وعليكم نعمة الإسلام..) إلى أن تصل الرسالة إلى مرحلة التغليف وطوابع البريد ويذيل بآخر الظرف ملاحظة «الرد عاجلا»!وفي المقابل عندما تصلنا تلك الرسائل نظل نفاخر بها ونحن نشعر بحرارة العواطف بين حروفها ودفء المشاعر بين سطورها، وكأن للرسالة صوتا وللمرسل صورة.لقد علمتنا تلك الرسائل جودة الخط والإملاء وحلاوة التعبير والتفكير فضلا عن أن أدق التفاصيل لا تجدها إلا في مثيلاتها من الرسائل الورقية. وأما اليوم فإن الرسائل الإلكترونية قلبت الطاولة على الرسائل الورقية لأن وسائل التواصل الحديثة هذه الأيام هي الوحيدة القادرة على تلبية متطلبات العصر المتسارعة في إنجاز الأعمال والمعاملات، مما جعل الحياة لمعظم هذا الجيل لا تتناسب في الغالب مع ذلك النمط القديم العاجز عن المنافسة في زمن التواصل السريع الذي اختصر المدى وهو يقدم الخبر أو يحمل البشارة دون انتظار، إنها التكنولوجيا التي أعطتنا ذلك التقدم الرهيب بما فيه من جوانب إيجابية وأخرى سلبية ظهر أثرهما في جميع أنماط حياتنا وخاصة بعد أن أفرزت لنا جيلا إلكترونيا بنمرة واستمارة!وأخيرا فهل فكرنا أين تقودنا هذه الاختراعات وتلك الاكتشافات وهل هناك شيء ما.. بعد ذلك؟

 

أترك تعليق