هل فعلاً الديموقراطية هي الحل؟!.. م.سعيد فرحه الغامدي-(11 يناير 2019)

تنتهي أعوام وتبدأ أعوام جديدة والعالم العربي يسبح في برك الفوضى والتقلبات وسفك الدماء والفقر، والتخلف ينهش في نسيج المجتمعات ويمزق وحدتها ويعرض مصيرها لمزيد من المخاطر وعدم الاستقرار. والثابت في العالم العربي الإصرار على البقاء كيفما كان الحال وما يعصف به من أزمات يكاد يكون عادة ملزمة برغم التأثر بكل جديد من تقنيات العصر ومميزاتها الترفيهية وسلبياتها أيضًا. والحديث عن الديموقراطية كما هو الحال في العالم الغربي لا يخلو من خيبات الأمل ولكنه يبقى الأمثل لضبط إيقاع السلطة من خلال الشرط الزمني لبقاء المسؤول في منصبه ومن خلال آلية وصوله لها أيضًا والشكل السلمي والمنظم وقبول الربح والخسارة في السباق والمنافسة على الوصول.

ثلاث أزمات في دول كبرى تطرح أسئلة وفي نفس الوقت فإن الديموقراطية أرحم من غيرها. في فرنسا ومظاهرات السترات الصفراء التي أرغمت الرئيس الفرنسي وحكومته على التراجع عن بعض القرارات التي اتُخذت لأنها تمس حياة الناس لدرجة أخرجتهم للشارع بعنف غير مسبوق منذ عام 1968م في عصر الرئيس شارلز ديغول وبرغم العنف من الطرفين إلا أن الحوار يظل ديموقراطيًا. في بريطانيا صوَّت الشعب في استفتاء عام بأغلبية أيًا كان مستواها بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي وبقيت آلية وثمن الانفصال مدار بحث ومفاوضات بين الدول الأوربية وبريطانيا من جهة وفي داخل بريطانيا من جهة أخرى، ومرة أخرى يبقى الحوار بين الحكومة والأحزاب في إطار شفاف وديموقراطي ولا شيء يتم طبخه في الخفاء وإخراجه وفرضه بالقوة على الشعب. والحالة الثالثة ما يحصل في الولايات المتحدة الأمريكية بين الرئيس ترمب والإعلام من جهة ومن جهة أخرى مع السلطات التشريعية في أمريكا يُضاف إلى ذلك التأزم العالمي الذي خلقته توجهات إدارة ترمب من بداية حملته الانتخابية وفوزه بالرئاسة، ويبقى الحوار في العلن وبطرق ديموقراطية.

هذه ثلاث حالات في دولٍ، الديموقراطيةُ فيها متعمقة ومنظمة، ولكن الأزمات فيها تتكرر، فحكومات تأتي وأخرى تذهب في نهاية ولايتها بطرق منظمة وبدون انقلابات عسكرية وسفك دماء. وحالة ما سمي بالربيع العربي التي اجتاحت العالم العربي من بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة تشكل مثالًا صارخًا لحكم الأنظمة الاستبدادية التي استمرت قيادتها في السلطة عقوداً من الزمن بدون أن تحدث التقدم الذي تنشده شعوب تلك الدول والنهاية مأساوية للحاكم والمحكوم وللأوطان في المقام الأول. حالة ثالثة تمثل الأنظمة الملكية في الأردن والمغرب ودول مجلس التعاون الخليجي التي حافظت على الأمن والاستقرار في ظل مستوى معيشة مقبول وهي أيضًا تراقب التطورات في الدول المنكوبة والدول الديموقراطية التي تعيش أزمات ولكن حوارها متمسك بمبادئ الديموقراطية لأن شرط بقاء المنتخب في السلطة محدود بفترة ولايته المثبتة في الدستور وهناك قناعات شعبية في تلك الدول بالتمسك بها.

إن استمرار الحوار بين آليات الحكم التي عرفتها المجتمعات الإنسانية من مئات السنين ولم يتوصل الإنسان بشكل قطعي للشكل الأمثل لأن المعضلة في الإنسان ونزعاته الرغبوية في السلوك الأناني وبدون تعديل في السلوك تبقى الممارسات تتجاذبها الأهواء والأطماع الشخصية المادية والمعنوية وحب التملك والسيطرة.

وبما إن العالم أصبح قرية كونية من خلال ترابط وتشابك افتراضي بفضل ثورة المعلومات الإبداعية وتقنيات العصر فإنه لا محالة من تأثر الأنظمة الحاكمة بسرعة التغيير وضرورة الحوكمة والشفافية التي فرضتها في تعاملات الدول والأفراد.

 

أترك تعليق