الحرية الشخصية.. مفاهيم ورؤى .. محمد سالم الغامدي-(02 ديسمبر 2018)

ديننا الإسلامي الحنيف، جاء ليَكفُل لكل مسلم كافة حقوقه الاجتماعية والشرعية والاقتصادية والشخصية، كصورةٍ سامية وناصعة من صور الحرية في الإسلام، وحدَّد لكل جانب منها حكماً ورد في محكم التنزيل، كتوثيقٍ صارم لوجوب الالتزام بها، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا).

فالحرية في الإسلام حثَّت على تحرير الإنسان من كافة مظاهر العبودية إلا لله سبحانه وتعالى، ومن الخضوع لأحد غيره وتخليصه من قيود الوهم والخرافة وتأليه الأشخاص وعبادة المادة، وهذا يتوافق تماماً مع تعريف القانون العالمي للحرية، وهو: قدرة الفرد على ممارسة أي عمل لا يضرُّ بالآخرين.

وعندما يشعر الإنسان بأن القيود المفروضة من المجتمع على ممارسة حريته (الشخصية) قد تجاوزت حدود الأنظمة المُؤسَّسيّة، وحدود القيم والمبادئ الإسلامية وحدود الحقوق الإنسانية المتعارف عليها، فإن الأمر في هذه الحالة قد يُفضي إلى عواقب قد تؤثر على النسيج المجتمعي في علاقة الفرد بالآخرين.

وفي ظل تلك المعطيات الشرعية والقانونية الواضحة جداً نجد أن البعض لا يزال يتجرَّد منها، انطلاقاً من قناعات شخصية لا تستند لدليل شرعي صحيح أو مستند قانوني ثابت، بل تستند إلى عادات وتقاليد تجاوزت في مكانتها حد التشريع، أو اجتهادات شخصية جانبها الصواب، وإن حملها مُركَّب حُسن النية لسد الذرائع وفق منظومة تمادت في ذلك المسلك حتى بلغت ببعضنا حدّ النفور منها. ولعل الأمثلة الشاهدة من واقعنا كثيرة، تبدأ من تدخُّل الآخرين في أمور تخصك دون إذن منك في آلية مطعمك ومشربك وملبسك ومشيك وركوبك وكل حركاتك وسكناتك، ونقد سلوكياتك المحمودة، ومحاولة فرض شئ ما، يُريدونه تحت مظلة العادات أحياناً والتقاليد أحياناً أو لا شئ أحياناً كثيرة، ثم نرى أن تلك الممارسات الخانقة تتجاوز حد الأفراد من خلال إدخالها ضمن بوتقة العمل المؤسسي، كما يقوم به البعض، وهذا الأمر -بالطبع- لم يغفل عنه قادة بلادنا -رعاهم الله- في الكثير من القرارات والتنظيمات المؤسسية. وتُؤكِّد مقولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان على مراعاة حقوق المواطنين، عندما صرَّح -أيده الله- بأن من حق أي مواطن أن يرفع قضية على الملك، أو على ولي العهد، أو أي فرد من أفراد الأسرة المالكة،

ولعل هذا الحرص من قِبَل ولاة الأمر على راحة وسلامة كافة مواطنيهم، والحرص على احترام كرامتهم، وعدم المساس بالحريات الشخصية لهم، وحزمه الشديد لمعاقبة كل مَن تُسوِّل له نفسه المساس بذلك المبدأ الإسلامي القانوني الهام في حياة كل إنسان، لعل ذلك كله دليل على ما نقول.

ويقيني أن المرحلة القادمة من مسيرة بلادنا الحضارية سوف تشهد الكثير من التنظيمات المؤسسية التي تضمن لكل إنسان ممارسة أنماط حياته الشخصية التي لا تمس حقوق الآخرين، ولا تتجاوز حدود الثوابت المتعارف عليها، والتي تعد مرجعاً للجميع، وهي الدين والمليك والوطن. والله من وراء القصد.

 

أترك تعليق