من هو الإصلاحي في هذه المرحلة؟ .. م. سعيد فرحه الغامدي-(17 سبتمبر 2018)

راودني طرح هذا السؤال منذ زمن عندما كان العالم ملتهبًا من بداية النصف الثاني من القرن العشرين بالصراعات بين اليسار واليمين وفي داخل القطبين أطياف من الصراعات بين الاتجاهات المتعددة، وتختلط الأوراق وتتنازع المفاهيم فيما بينها على ما هو الخطأ وأين الصواب.

حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران بعد مجيء الخميني وبداية تصدير الثورة التي تنبه لها صدام حسين في وقت مبكر وتصدى لها بدعم مطلق من دول الخليج على مدار ثماني سنوات خسر البلدان فيها مئات الألوف من البشر جنودًا ومدنيين وفي النهاية انتهت بقبول الخميني بتجرع السم كما ورد في مقولته المشهورة، وفي تلك الفترة ضاقت مسافة الغموض واتضحت الصورة لدى الكثيرين من الطبقة المثقفة على الأقل.

بعد توقف الحرب كان الأمل أن تستقر المنطقة ويبدأ الإعمار ومشروعات نهضة جديدة تؤهل العراق لدور أكبر بحكم إمكاناته وتجاربه ولكن الصبر لم يُحالف صدام حسين وفي ليلة ظلماء اعتدى على الكويت وأراد أن يُلحقها بالعراق ويصبح اسمها في سجل الماضي.

وقفت دول الخليج ضد ذلك العدوان وعادت مصر للصف العربي وصمد الملك فهد رحمة الله عليه حيث قال: «إما أن تعود الكويت وإلا تذهب السعودية وكان له ما أراد».

الكثيرون تحفظوا وعارضوا على وجود قوات أجنبية تزيد على نصف مليون جندي من عدة دول على أراضي المملكة العربية السعودية في تحالف دولي لإعادة الكويت لأهلها ولكن إرادة القيادة السعودية صمدت وكان لها ما أرادت.. عادت الكويت وخرجت القوات الأجنبية من المملكة بشكل سلمي حسب الاتفاق.

وفي جانب انعكاسات آثار حرب العراق – إيران، والعراق – الكويت، على الداخل السعودي بدأت حركة إصلاح إيجابية تمثلت في صدور نظام الحكم وإعادة تشكيل مجلس الشورى ومشاركة المرأة في الحياة العامة ومزيد من الشفافية في طرق إنفاق المال العام.

مرحلة الملك عبدلله بن عبدالعزيز -رحمه الله- خلال توليه زمام الأمور أثناء توليه ولاية العهد وبعد أن تُوج ملكًا كانت تمثل مدًا إصلاحيًا من قمة الهرم بشكل سلمي، وكل من له رأي أُتيح له أن يدلي به.

مرحلة مجيء الملك سلمان -حفظه الله- إلى سدة الحكم واصلت وأضافت وتميزت بنقلات نوعية وعلى رأسها استحداث منصب المدعي العام وتحجيم الفساد والتنبه للمخاطر المستقبلية التي تستهدف الأمن والاستقرار للمملكة ككل. حرب اليمن الاستباقية كشفت عن الكثير من المخططات التي كانت تُدار في الخفاء ضد المملكة من قبل إيران وأعوانها في المنطقة كما إنها اختبرت مصداقية التحالفات الخارجية ومدى الاعتماد عليها.

التمهيد للجيل الثالث من البيت السعودي لتولي مقاليد الحكم في شخصية محمد بن سلمان، كان علامة بارزة في خبرة الملك سلمان ووضوح الرؤية لديه بكل ما يملكه من تجربة وحنكة جعلته يتخذ القرار بدون تردد للإقدام على الإصلاح بدون أي إرباك للأمن والاستقرار الذي ينعم به الشعب السعودي، وأكبر دليل على ذلك إدارة شؤون الحج ونجاح المواسم بشكل حضاري رفيع المستوى، اعترف له العالم بتميز إدارة الحشود وتوفير كل متطلبات الحجاج بيسر وسهولة.

هذه المراحل التي أذكرها هنا باختصار تتجلى فيها معاني الإصلاح التدريجي المنظم دون الإخلال بالأمن والاستقرار ومستوى المعيشة في المملكة العربية السعودية.

إن طريق الإصلاح الذي يريد أن يدمر كل شيء قبل أن يقدم شيئًا أثبت فشله.. إن الإصلاح الذي يشمل الجميع ويحقق الكثير ويضحي بالقليل في سبيل الأمن والاستقرار هو الطريق الصحيح.

 

أترك تعليق