نائحة استأجرها الهوى ملكية أكثر من الملك..محمد سعيد آل درمة-(18 مايو 2018)

بالرغم من صدور أوامر ملكية الأول رقم (١٠٢٤٥/م ب)وتاريخ ١٤٢٦/٨/١٧هـ والثاني رقم (٤٢٢٨٣)وتاريخ ١٤٣٢/٩/٢٧هـ وقرار من مجلس الوزراء رقم (٢٠٩) وتاريخ ١٤٣٣/٦/٣٠هـ موجهة إلى الوزارات والهيئات والقطاعات الحكومية تؤكد في مضمونها لزوم الرد على جميع ما يتم تناوله في وسائل الإعلام المختلفة من انتقاد لمؤسسات الدولة من خلال متحدث رسمي تعينه كل جهة حكومية، وبالرغم من توجيهات وأحاديث مباشرة من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين للمواطنين بضرورة النقد البناء لعمل أجهزة الدولة ودعمها للقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، ومنها حديث متلفز للملك سلمان أكد فيه بأن المواطن السعودي بمقدوره رفع دعوى قضائية ضد الملك أو ولي عهده أو أي فرد من أفراد الأسرة الحاكمة، وفي ذلك دليل قاطع وشاهد ناصع لتقبل قادة هذه الدولة للنقد بصدر رحب.
وبالرغم من كل ما سبق ذكره لا يزال للأسف بيننا ومن أبناء جلدتنا نائحة غلب عليها الهوى فأجرت أقلامها وحناجرها دون مقابل للمديح والتطبيل والتضليل والدفاع عن خطط وقرارات الحكومة ونصّبت نفسها محاميًا للوزارات ومتحدثًا غير رسمي لبعض القطاعات متخذة حب الوطن وطاعة ولي الأمر والتوجس من الفتنة ذريعة لإخافة المواطن من التعبير الحميد والحديث المفيد وإيصال صوته البسيط لمتخذ القرار ناسيةً متناسية جاهلةً متجاهلة بأن الدولة رعاها الله هي من سمح وأتاح للمواطن جميع وسائل التواصل الاجتماعي ليعبر فيها عن رأيه بكل حب وأدب دون خوف أو وجل ليكون مساهمًا ومشاركًا في صنع القرار بما يبديه من ملاحظات على قصور في خدمة أو تقصير من جهة وتقديم مقترحات لعلاج الخلل وتطوير الأداء الحكومي ولو أرادت إصماته لفعلت وصمت، كما عملت دول قمعية كثر حظرت وسائل التواصل على مواطنيها مثل تركيا وإيران والصين وكوريا الشمالية!
وتخرج علينا تلك النوائح في هيئتين الأولى والأخطر دعاة أدعياء مبتدعة يختصرون الموضوع في نقطتين الأولى أن الله كفل رزق العبد من السماء والأرض والثانية وجوب طاعة ولي الأمر للأسباب آنفة الذكر وفي ذلك كذب ونفاق وتدليس وتسطيح لعقل المواطن فلم نرى في أرض الحرمين أحد كفر بأنعم الله ولم نسمع بآخر خرج على ولي الأمر والعياذ بالله، والهيئة الثانية عوام رعاع ملكيين أكثر من الملك لم يستكتبها أحد وليس لهم سند يدافعون ويقولون ما لم يقله مالك في الخمر لجميع قرارات الحكومة، متوهمة تلك الفئة أنهم بتلك الأقوال المدافعة المستميتة سوف يصنفهم المجتمع على أنهم من رجال الدولة ووجهائها وعلية القوم، ظانين أنهم يرضون ولاة الأمر وهم في الواقع يعصون الله ويضللون ولي الأمر ويغضبون ويحاربون المواطن المطحون المغلوب على أمره، حسبهم الله بما يصنعنون! قال ﷺ “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”.
والرد الأمثل عليهم قول الشافعي رحمه الله:(لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالًا بدينار).
وصدق حديث المصطفى ﷺ :”سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل:وما الرويبضة؟ قال:الرجل التافه ينطق في أمر العامة”.
كفى بالله عليكم مزايدة ومتاجرة في حب الوطن ولا تكونوا ملكيين أكثر من الملك، دعوا المواطن الشريف يتحدث ويعبر ويتنفس هواء الحرية ويوصل صوته لولاة أمره، فالمواطن اليوم ينتابه القلق ويختلج قلبه مشاعر متضاربة حول ما يجري حوله من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة لم يعهدها من قبل ولم يعد بإمكانه فهمها.
فكيف يطمئن المواطن ويصدق ذاك الثناء والمديح في ظل حقائق يراها بأم عينه على أرض الواقع منها على سبيل المثال لا الحصر الحروب الدائرة حوله وعلى حدوده والصواريخ التي تصل لعمق بلده، وإعلام مرتزق وأصوات نشاز حاقدة تهاجمه صباح مساء من دول إسلامية وعربية شقيقة أفضال المملكة عليها وعلى شعوبها لا تعد ولا تحصى، وتفشي ظاهرة البطالة بين أبناء وطنه المؤهلين علميًا، وتفاقم أزمة الإسكان دون بروز حلول في الأفق القريب، وضعف خدمات وزارة الصحة من تباعد المواعيد وندرة توفر أسرة التنويم واختفاء بعض الأدوية الهامة من صيدليات المستشفيات والمراكز الصحية، وتخبط وزارة التعليم في سياساتها وبرامجها ومخرجاتها، وحدث ولا حرج عن مشاريع وزارة الشؤون البلدية والقروية المتعثرة ورائحة الفساد التي تفوح منها وحولها!
ختامًا لابد من ترسيخ مفهوم النقد البناء في عقول وفكر أفراد المجتمع، النقد الذي يقوم على نقد العمل لا نقد الأشخاص ونقد الذات لا جلدها وتأصيل أن مصلحة ومستقبل الوطن وأبنائه هو الهدف الأسمى والأعظم وأن المسؤول مهما علا منصبه فهو في الأصل مواطن يؤخذ منه ويرد عليه ولا قدسية لبشر ولا عصمة لغير الأنبياء.

 

أترك تعليق