ظلام الإحجام وتهلكة السكون .. د . محمد حامد الغامدي-(15 أبريل 2018)

▪بعد استكمال رسم وجه حقيقة استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة خلال مسيرة حياتي الأكاديمية، والتي استمرت قرابة الأربعة عقود، جال بخاطري نزاعات نفسية داخلية، كان بجانبها ملامح نزعات أخرى خارجية، بعضها يُغري بالاستمرار دفاعا عن المياه الجوفية، لكن بعضها الآخر يقود إلى ظلام الإحجام وتهلكة السكون.
▪وجدت أن كل مسئول جديد لا يأتي بحلول، رغم الحديث عنها. جميعهم عاشوا جور ممارسات استنزاف المياه الجوفية العميقة. كنتيجة أتعجب كيف يكون لهم نفس النتائج طوال العقود الماضية؟ هل يعني هذا أن أهمية هذه المياه شيء مغيّب؟ هل يعني أنها مياه مستباحة، لا حسيب ولا رقيب، لا حامي ولا راعي؟ وهناك أسئلة طرحها يثير الكثير من الزوابع التي نحن في غنى عنها.
▪يوجد حاليا حراك محمود مع (رؤية 2030) لصالح المياه، لكن في ظل المؤشرات فإن أمر الإنقاذ يبدو كالمستحيل. ربما يحتاج لقرارات مجنونة في ظل جنون الوضع الزراعي العشوائي. الوعود خلال العقود الثلاثة الماضية بوقف الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية لم تتوقف، لكن لم يتحقق شيئا. ماذا يعني أن يقفز مقدار الاستنزاف على زراعة القمح والشعير والأعلاف مجتمعة من (17) مليار متر مكعب عام (1995)، إلى (17) مليار متر مكعب للأعلاف فقط عام (2017)؟ ماذا يعني أن يصل استهلاك القطاع الزراعي حاليا لأكثر من (25) مليار متر مكعب؟ هذه الكمية تعادل نصف نصيب مصر من نهر النيل، وتزيد عن حصة السودان بمقدار الثلث تقريبا.
▪لا مياه سطحية في المملكة، كنتيجة نحفر الأرض بحثا عن المياه الجوفية، ذلكمبأعتى المضخات والمكائن العالمية العملاقة، ونمارس الاستنزاف كما نشاء، وفوق هذا كان يتم الدعم والمساندة والتشجيع بالقروض والإعانات حتى فاقت (150) مليار ريال أنفقتها الدولة – حفظها الله – على القطاع الزراعي خلال العقود الثلاث الماضية. غياب الخطة الزراعية بجانب الاندفاع العشوائي عجّل باستنزاف المياه الجوفية في زمن قياسي.
▪اليوم وبعد كل هذه السنين من عمري الذي قضيته مدافعا عن هذه المياه النادرة والمحدودة، أتساءل: هل بقي حماسا للدفاع عن شيء أصبح مستباحا؟ لماذا ندّعي أن للمياه وزارة، وهناك زراعة لا نعرف لها رؤية غير التوسُّع العشوائي الأفقي على حساب المياه الشحيحة في بلادنا العزيزة؟
▪بالعودة إلى القناعة التي سادت بين أصحاب الشأن، هل نستطيع تفسير قناعتهم؟ سيأخذ التفسير اتجاهات وتشعّبات لا حدود لها، وجميعها ستقود إلى التيه في يوم شمسه ساطعة. لقد تمّ الإعلان عن بدء مرحلة الضياع الزراعي والعطش بالاندفاع والهرولة خلف جني أسعار الضمان، حيث كانت الوزارة تضمن شراء إنتاج الزراعات التي سادت، بأسعار مجزية، وتدعمها بالإعانات والقروض.
▪هناك مَن نحت طريق العطش بالتوسع العشوائي الزراعي غير المدروس. هكذا قاد الاجتهاد إلى نضوب عيون المياه الفوارة التاريخية. فهذه عيون الأحساء خير شاهد، حيث كانت المياه تندفع من فوهات العيون لارتفاع أكثر من المترين فوق سطح الأرض عام (1975م)، لكنها جفت مع نهاية (1989م). والآن غاصت إلى أعماق الأرض.
▪أيضا هبطت مناسيب المياه في الآبار الارتوازية بشكل حاد، من (10) متر من سطح الأرض لعمق يزيد عن (180) متر. أليس هذا الوضع مقدمة الجفاف والعطش؟ وقد تأثر كاتبكم بضربة شمس الحقائق خلال هذه العقود الثلاثة، كنتيجة هل كنت بدفاعي عن المياه (مغردا) خارج السرب؟ هل كنت أهذي بشيء خارج المألوف؟ ما زلت أنادي بسرعة وقف نزيف المياه الجوفية فورا. أي تأخير وتأجيل يعني المزيد من ضياع المياه المحدودة والنادرة. أكرر ما قلته سابقا نحن لم نرث الأرض لكننا مستأمنين عليها.
▪في أمر الزراعة تشكّلت القناعة حول محور التوسع الزراعي الأفقي، وهذه القناعة غيبت الأصوات المحذرة. وهذا يعني القضاء على كل شيء آخر لا يبارك، وهنا كانت الخطورة. الكثير من النتائج لا تظهر تأثيراتها الضارة والسلبية إلّا في مراحل متأخرة، وعندما تكون قد بلغت شأنا لا يمكن معه فعل أي شيء، أو إنقاذ أي شيء. تعام وتجاهل وعشوائية واجتهادات. هذا ما جرى على المياه الجوفية من جور الاستنزاف. إن بطء خطوات التصحيح تنبئ بكارثة، وتثير أيضا التساؤلات عن مستقبل مياه الأجيال القادمة.
▪الماء أرخص موجود وأغلى مفقود. شعار رفعته منذ عام (1994م) من القرن الماضي، وكنت أعتقد بوجود فرصة متاحة لكل أكاديمي يملك رؤية لصالح مياه البلد الجوفية، لكن وجدت البعض يستأثر بكل شيء، ويضع الوطن ومصالحه أمام خيار واحد، ثم يتم تعظيم كل شيء حول هذا الخيار، ثم يأتي من (ينقع) الزير، ويضرب بالكف الطبول، تشجيعا ومباركة، جهلا أو نتيجة لتناقض المصالح، وتعارضا الأهداف. ثم عنوة يتم حجب كل صوت آخر. هذه معضلة سادت ويجب بترها والتخلص منها في هذه المرحلة وبقية المراحل القادمة.
▪يجب رصد كل الأفكار المفيدة حول المياه، وكل رؤية جادّة. يجب إعطاء الفرصة لتجريب الأفكار العلمية خاصة عندما تأتي من علماء شباب يحملون همّا وطنيّا. مع الماء لابد من تشكيل فرق عمل من كل التخصُّصات ذات العلاقة، حتى تكتمل الصورة للجميع، فكل تخصّص ينظر من زاوية إلى أن تظهر كل الزوايا بشكلٍ سليم، عندها يمكن أن نثق في تنفيذ ما ينفع. إن تجاهل صوت الدّماء الشّابة لطمة ليس لها ضرورة، وكنت يوما أحمل هذه الدّماء، أكثر من ثلاثين عاما قضيتها مدافعا عن المياه الجوفية لم يسأل أي مسئول عن رأي أو فكرة أو دراسة أو حتى نقاش لنظريات طرحتها أمام الجميع.
▪أكرر ما قلته سابقا، اليوم وبعد كل هذه العقود أنظر إلى الوراء، لأجد أن أكبر إنجازاتي هو طرح الرأي، كنت وما زلت الوحيد الذي يسمعه أيضا، لكن الله وفقني لتوثيقها في مجموعة من الكتب للتاريخ وللعبرة. هناك أجيالا قادمة من العلماء يجب أن تكون لهم بصمة، تجاهلهم نوع من الفساد.
▪ما زلت أعتقد بأن الخيار الاستراتيجي على المدى الطويل، بجانب حماية المياه الجوفية غير المتجددة من الاستنزاف الجائر، يكمن في استغلال قطرات المطر في مناطقنا المطيرة في الجنوب الغربي على قمم جبال الحجاز والسراة، وهي منطقة تغذية المياه الجوفية المتجددة بالمياه لجميع أنحاء المملكة في حال جعلناها كذلك.
▪صيد وجمع وتوظيف كل قطرة ماء هاطلة من السماء واجب وطني. إن كتابي [كيف نحول المطر إلى مخزون استراتيجي؟ “بناء المستحيل”، يحمل مشروعا الحل الأسطوري لمشكلة ندرة المياه. أيضا كتابي بعنوان: [إنقاذ المستقبل من العطش] يعزز ذلك. الكتابان يجسدان رؤية حل لصالح الأجيال القادمة.
▪من العجائب المحزنة أن تضيع مياه الأمطار بدون فائدة، ومن المصائب أن نعمل عن قصد، وبطرقٍ هندسية للتخلص منها برميها في البحار، أو حجزها وتبخيرها خلف جدران السدود الصماء. هذه (طامة) لا يلتفت اليها أحد، هذه المياه نعمة تُهدر وبشكل قاس. هذه الأمطار أصبحت تشكل أحد أدوات التصحر بجرفها تربة الجبال النادرة وتجريدها منها بشكل كامل. إن الأجيال القادمة ستدفع ثمن التصرُّفات الرعناء مع مياه الأمطار أيضا. ولكن كيف نهتم بمياه الأمطار ونحن نستنزف المياه الجوفية بشكل جائر؟ ونمارس دفن البحار؟ ونخرب البيئة ونفسدها؟!
▪حتى النظم المائية والزراعية التقليدية تتهدم أمام أعيننا، وتلك شواهد مقدّمة التصحر والعطش القادم. لماذا لا نذرف الدمع على استنزاف مياهنا الجوفية النادرة والمحدودة؟ هل لأننا لا نرى المستقبل؟ هل نحن غير مكترثين بالنتائج الوخيمة؟ الأوضاع المجنونة لابد لها من حلول مجنونة. آخر العلاج الكي. أعتقد بوصولنا هذه المرحلة منذ وقت طويل، فلماذا التأخير؟

 

تعليق واحد في “ظلام الإحجام وتهلكة السكون .. د . محمد حامد الغامدي”

  1. يقول البترول:

    لقد اسمعت لوناديت حيا .. كلهم ماعندهم من العلم شيء .. علي عنك يا محمد !. اتعبت نفسك .. وشن درى عنك ؟.

أترك تعليق