المكنون من سيرة الأمام العابد الشيخ علي بن سعيد القرش الحمراني رحمه الله-(05 مارس 2017)

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له رب العالمين وأشهد ان محمدا عبده ورسوله امام المتقين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه واله وصحبه اجمعين وبعد

مَن مِن الحمران لا يعرف الشيخ الأمام الجليل التقي العابد الزاهد الورع على بن سعيد القرش  الحمراني رحمه الله وجعل الفردوس الأعلى مأواه ومسكنه ، لكن معرفتي به مختلفة فهو جارنا والجار يرى مالا يراه الأخرون ، ولا يفصل بيننا الاّ بضعة امتار،  وقد كان في مدخل ساحة بيوت العُشان حَجَران احدهما على هيئة مقعد سيارة رباعية الدفع ( مرتفع ) والأخر على هيئة مقعد مركبة (كابرس او امريكي )  زوروهما فما زالا هناك قبل ان يزولا  ، أحدهما في  المدخل على اليمين و الأخر في جدار ( دَرَج ) بيت احمد عشان رحمه الله وكنا ونحن صغار نجلس على هذين الحجرين نحاكي قائدي السيارات  ونزعج الناس بأصواتنا، صوت السيارة وهي تسير مسرعة ، ونستمتع بذلك متعة بالغة،  ونمضي هناك وقتا غير قليل ولهذا نرصد في هذا الجلوس الطويل عن غير قصد حركة الناس وأخلاقهم وأحوالهم

((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)) (239) الأحزاب

بقية السلف الصالح رضوان الله عليهم فيما احسبه ولا ازكي على الله أحدا الأمام العابد الناسك المتواضع

أحسب الشيخ علي رحمه الله في هيئته وملبسه  وسمته وتنسُّكه وعبادته وتقواه و أحواله من أولئك الرعيل الأول ولا  أزكِّي على الله أحدا ، والمعرفة به عن قرب ليست يوما او يومين أو شهر أو شهرين ولا عاما أو عامين بل سنوات طويلة وأيام مديدة وأحوال عديدة فحين اتحدث عنه لست ناقلا عن غيري بل أتحدث عنه  عن قرب من واقع ما راه  بصري ومن خلال مشاهداتي وتعاملي مع هذا الشيخ الجليل  الأمام والأمام بحق .

يقولون في الفقه هناك كبائر ومحرمات ومكروهات و …. وهناك خوارم مروءة ، و خوارم المروءة هذه ليست من المحرمات ، لكنها امور يترفع عنها اصحاب القامات والهامات السامقة و الهمم العالية ، ومن خوارم المروءة مثلا ان يأكل الأنسان وسط السوق والناس ينظرون اليه أو يمشي بين الناس حاسر الراس او يضحك بصوت مرتفع  في الأسواق ( هناك كتب في خوارم المروءة ) واشياء من هذا القبيل ليست محرمة ولكن من قبيل التًّرفُع

الشيخ الأمام رحمه الله لم اره يغشى شيئا من ذلك حاشاه ، بل لم اره يفعل ما يخرم المروءة أبدا،

هيئته مرتبة وهندامه جميل في غير تكلف ،  وثوبه دائما نظيف متّبع في هذا غير مبتدع

في صباح كل جمعة أوائل الضحى يأخذ نفسه في نزهة بَــرِّية وسُنَّة شرعية فيذهب الى عين المعين ( بعد الجحفليات ) فيغتسل هناك غسل الجمعة ثم يعود أدراجه في وقت ليس بالطويل ، يسلك طريقا مستقيما في ذهابه وإيابه فلا يمضي الى غير وجهته حتى يعود الى بيته مِشيته ( اسم هيئة ) اقرب الى السريعة ، اذا عاد الى بيته ربما اخذ كتابا فجعل يقرأ فيه وربما قرأ في داخل منزله او في ساحة منزله لكنه كثيرا ما يقرأ بصوت يسمعه من كان قريبا من داره ، وهذه عادة وطريقة لبعض الناس ، عندي منها اليوم في البيت واحد ،  وعلى سبيل المثال حين كنا في الابتدائية كان لنا زميل من هذه الشاكلة وكنا اذا خرجنا الى جهة المدرسة في الشفا بعد العصر وسمعنا صوتا عالية كأنه مجموعة من الناس قلنا لبعضنا هذا صوت فلان قد سبقنا فنجده كذلك كما توقعنا لا يقرأ الاّ بصوت مرتفع

يمضي الشيخ علي القرش سحابة يومه بين مسجده و الذهاب الى المدرسة السلفية في الصباح غير الباكر ، لم اره يذهب الاّ بعد السابعة صباحا ، يذهب اكثر ايامه ماشيا ، (كان عنده أتان ثم تركها) ، يعود مع وقت الظهر ويمضي وقته بين القراءة بصوت مسموع (احيانا كثيرة نسمعه) وبين عمله الشريف الخاص ، حيث كان يصنع الأحذية الجلدية ذات الجودة العالية ( تشبه الحذاء الشرقية لكنها سميكة) ، لا نسمع له في بيته الاّ هذا ، لم نسمع يوما صوتا  مرتفعا في بيته  بخصومة أو خلاف أو منازعة مع أحد أبدا حتى مع أهله ، ما سمعته يوما في شجار مع ان هذا أمر طبيعي في حياة الناس لم نسمع منه يوما  كلمة نابية  ناهيك عن قول الإثم

اذا مشي بين البيوت والله ما رأيته ينظر الاّ إلى الأمام فلا يلتفت لا يـمـينا ولا شمالا ، ولا حملق بعينيه في شيء ولا رفع راسه الى اعلى يمضي في سبيله لا يلوي على شيء

ان قابلته امرأة اعرض بوجهه عنها ثم يسحب طرف عمامته المتدلي من اليمين اومن الشمال  ويمده بيده الى الأمام حتى يكون حاجبا بينه وبينها فلا يرى منها شيئا ، لا انه يغطّي وجهه بعمامته لا لم يفعل هذا، ثم اذا تخطّت عنه المرأة ارخى عمامته

اذا سمع منا نحن الأطفال  كلمة  نابية وما أكثر خطل الطفولة وجهلها،  قال (يا ولد لا تقل كذا…..) وأحيانا يدخل البيت ثم يعود الى باب داره وقد أحضر معه خيزران طويلة قريبة والله من قامته ثم يقول تعال يا ولد ونأتي اليه لعلمنا السابق به أنه لن يضربنا وان كانت معه العصا ثم يعاتبنا ويوجهنا في توجيه ليس فيه تعنيف ولا غلظة وننصرف بعافية

أحيانا ربما زار بعض جيرانه فيعضهم في زيارته ويذكرهم في لطف وسماحة

اذا زار مسجد القرية أحد الوعاظ والمرشدين ، وغالبا ما يأتون يوم الجمعة ، استضافهم في منزله وقدم لهم ما تيسر من طعام وربما أرسل أحد أبنائه فاشترى من الدكان المجاور بعض ما يكون مبالغة في إكرام ضيفه

كان انسانا بما تعنيه الكلمة من مدلول وقد كان البعض يظن أنه قاسٍ أو غليظ لكن العكس من هذا هو الصحيح فقد كان رحيما ودودا ، كان يسمح لأهل بيته  بزيارة جيراهم ومخالطتهم ومشاركتهم المناسبات بكل صورها لم يمنعهم من زيارة جيرانهم كما لم يمنع جيرانهم من زيارة أهل بيته

اذكر له موقفا طريفا في زواج ابنته الكبرى حين زوّجها الشيخ سعيد هنيدي ( ال ضيف الله ) فلعب النساء في الحفل يوم الزفاف وضربن الدف من بعد العصر إلى المغرب ، ثم لما جاء وقت المغرب صَرَفَ الشيخُ النساءَ واراد ان يقتدي بالسلف رحمهم الله ويفعل ما فعل سعيد بن المسيّب مع ابته في عرسها حين أهداها وزفّها إلى زوجها في صورة بسيطة خالية من التكلف والعادات ، فأمرها سعيد ان تتبعه من خلفه حتى اذا وصل بها بيت زوجها طرق ابن المسيب عليه الباب فقال الرجل من بالباب ، قال : سعيد فقط ولم يضف كلمة (ابن المسيب) ، قال فتذكرت كل من اسمه سعيد الاّ ابن المسيب لم يأتِ لي على بال ، فلما فتح الباب وجده ابن المسيب ومعه العروس  فأهداها اليه في وسط ذهول الزوج ودهشته ، لكن ابنة الشيخ علي رحمه الله بحكم العادة عندنا وبحكم ما اعتراها من الخجل تأبًّت على ابيها ، ولم يفلح أبوها في اقناعها فما كان منه بعد ان صلّى المغرب الاّ ان بعث زوجته الى بيوت الجيران تطلب من النساء ان يحضرن يزفّين العروس الى بيت زوجها ففعلن ، واستنكرت احداهن في شعرها وقصيدها في الليلة القادمة ما فعله الشيخ 

والحقيقة ان الشيخ علي لم يكن قصده حرمانهن من مرافقة ابنته والعشاء لأنها لا تعلم ولا تدرك سر تصرفه  هذا

رحمه الله الشيخ علي ، الم اقل لكم احسبه من بقية السلف الصالح

الشيخ هين لين متواضع غير صخاب بالأسواق

الشيخ رحمه الله ما رايته بالسوق الاّ مرات تعد على اصابع اليد الواحدة ولا يتجول في السوق بل يقصد الى حاجته فقط ثم يعود أدراجه

من تواضع الشيخ رحمه الله بعد ان بلغت سن الرشد وسلكت طريق طلب العلم كنت أجلس معه في المسجد بعد الصلاة الوقت الطويل نتحاور ونتناقش في تواضع منه عجيب فلم يقل كيف أجلس مع هذا الذي في سن أولادي ولم يعرف العلم الاّ بالأمس وانا صاحب الخبرة  والعمر الطويل في هذا الشأن ثم كان من أعجابه بي ان عرفني  الى الشيخ ابراهيم المسلم والشيخ محمد بن جماح رحمهم الله جميعا

من تواضع الشيخ علي رحمه الله قبوله الدعوة وبخاصة اذا كانت من طلبة العلم ولو كانوا في سنّ أولاده او أحفاده  ، أذكر دعانا الأخ ابوطه حسين حارثي  حفظه الله بين عام 1409 و   1412 الى منزله حين أقمت في المنطقة   اكثر من مرة  وكان يحضر معنا الشيخ علي ويجلس بيننا وكأنه في مثل سننا واعمارنا ويلا طفنا ويشاركنا نحن ومن هم أقل سنا وعمرا منّا اطراف الحديث ومواضيع النقاش في تواضع جم وألفة شديدة تـنم عن الفضل لأهله فهذا غمط الذات وتواضع العلماء

اما عن إمامته في المسجد ، كان أول من يدخل المسجد غالبا وآخر من يخرج منه ويكثر من النوافل والتلاوة وقت وجوده في المسجد ورايته مرات اذا خرج الناس أخذ في نظافة المسجد بنفسه ، وكان محافظا على واجب الإمامة  فقلما يغيب عن المسجد ولا يكون غيابه الاّ عن سفر،  وأما صلاة الجمعة فالكثيرون منكم يعرفون عنه أكثر مما أعرف وكانت مدة  خطبته موافقه للشرع فليست بالطويلة المملة ولا بالقصيرة المخلّة ، وأما عن الصلوات الخمس فلقد كان نهجا وسطا وسبيلا رشدا ، فيعطي كل صلاة حقها وحظها من غير خلل او ملل في قصد واتباع سنّة  النبوة ، لا  السنة المنتشرة هذه الأيام حيث أصبح هناك خلل في التطبيق وليس خطأ في العلم فالمعلومة لازالت كما هي  مدونة في بطون الكتب ولم يعتريها تحريف ولله الحمد لكن الخلل في التطبيق ، انظروا الى احدهم في خطبة الجمعة يخطب نصف ساعة او اكثر وهذا مخالف لقول رسول الله(ﷺ ) : (إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ و قِصَرَ خُطبتِه مَئِنَّةٌ من فقهِه ، فأَطيلوا الصلاةَ ، و أَقصِروا الخُطبةَ ، و إنَّ من البيانِ لَسحرًا )  ثم في الصلاة حين يصلي بالناس والله بعضهم لا تدرك معه الركوع فأول ما تركع وما زلت لم تقل ولو تسبيحة واحدة اذا به  قال : سمع الله لمن حمده ، وأول ما تسجد ولم تزل لم تسبح ولو تسبيحة واحدة قال :  الله اكبر،   لشدة سرعته (( ويظن أنه خفف على الناس ، و ما درى ان هذا التخفيف مخلٌ بالصلاة )) وبعد السلام تجد نَفسَك تلهث تلهث لشدة ما أتعبك أبو شبر من المطاردة وهذا مخالف للهدي النبوي والسنة المطهرة ، ومع الأسف لا يجهلون هذا كعلم ،وفي الحديث الصحيح (( … والأمام ضامن )) ، واما الصلوات فيطيلون في صلاة العشاء اكثر من أطالتهم في صلاة الفجر ، يقرأ أحدهم في صلاة العشاء وجه ونصف او وجهين ( الوجه: صفحة ) وفي صلاة الفجر يقرؤون فيها في الركعتين وجها واحدا ( نكس في الفهم ) وعكس للسنة النبوية ، وهذاما اصله ان يقرأ في صلاة العشاء كما جاءت السنة  ، والشيخ رحمه الله في صلاة الفجر لم يكن يطيل الى حد يشق على الناس بل كان متبع للسنة النبوية التي وجّه فيها النبي (ﷺ )  معاذا  كيف يقرأ اذا كان اماما ، وهذا الحديث من جملة الأحاديث الأخرى التي يتوجب على كل امام مراجعتها وفهمها والأخذ بها فهي الهدى والرشد هي سنة رسول الله محمد بن عبدالله(ﷺ ) التي لا يسوغ مخالفتها

حين كبر الشيخ رحمه الله واقعده المرض لم يترخص ويصلي في بيته مع أنه معذور ولكن العزم والهمة العالية  والرغبة الصادقة فيما عند الله كان لا يصلي الاّ في المسجد فقد حُدّثت عنه انه كان قبل دخول الوقت بقليل يأمر بعض أهله فيحملونه إلى المسجد فيصلي مع الناس ثم يمكث في  المسجد حتى يخرج الناس فيأتيه من حمله واوصله المسجد فيعود به إلى البيت.

رحمك الله يا شيخنا، ومن يطيق مثل هذا الاّ الصّابرون من يطيق ما تفعل ، ولكن ألم أقل لكم أحسبه بقية السلف الصالح

رحم الله الشيخ الأمام علي بن سعيد القرش فقد كان والله أمة وحده ،له سمت السلف وتواضع العلماء وتنسُّك العباد والزهاد اللهم  أرفع مقامه عندك في عليين في الفردوس الأعلى واجعله مرافقا للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، وأخلفه في عقبه في الغابرين

وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) التوبة

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)  الواقعة

سلاما على الشيخ الأمام الجليل حيا وميتا ، سلاما عليه في الأولين سلاما عليه في الأخرين سلاما عليه ان شاء الله يوم يبعثون .

.

كتبه / منصور بن علي بن هاشم

.

 

 

أترك تعليق