الغريب والحمران (1) الحمران …. أول منزل-(26 أغسطس 2016)

 

الغريب … هو شخص من خارج القرية عاش بيينا فكان حمراني المنزل والمرابع والنشأة ومن خلال تواجده ونشأته بيننا كتب عن تفاصيل الحياة اليومية في القرية وحكي لنا وللاجيال الناشئه بعض المسميات  التى نسيها الكثير منا . على حلقات سناخذكم مع الكاتب الغريب والحمران … وفي اخر حلقه سنكشف لكم شخصية الكاتب 

.

. ??

قال ابو تمام.

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى **

                          ما الحب إلاّ للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى  **

                           وحنــينه أبدا لأول منزل

من منطلق البيتين السابقين  أستأذن  القُرّاء الكرام  بتسمية  هذه الهَـمهمة ونثار اللّملمة

                        ( الحمران … أول منزل ) 

 وقبل الولوج إلى بنات الحروف و حنين صداها وماضي الذكريات وأريج شذاها , قبل الدخول في مسراب اللّبدة أو مسراب العالي أو مسراب الغَـدادة الذي لا يكاد يعرفه كثير من الشباب اليوم  ثم أَضِيع في هذا المسراب أوفي بعض إخوانه وبني عمومته من المسارب ثم لا تجدوني لأنكم  غالبا لم تعودوا تعرفوا المسراب فضلا عن مسراب الغدادة ,  أقول :

 كلمة ((قرية )) هي ظرف مكان , والمظروف هو من يسكن هذه القرية .

البعض مِنَّا يستصغر المظروف وهم سكان القرية لأنه يظن أن الظرف وهو ( القرية ) صغير حسا أو  معنى فهو يستصغر كلمة ( قرية ) ولكن المعنى الصحيح بخلاف ذلك , ذلك أنّ كلمة قرية تدل على الِمصْر الجامع ( بكسر الميم ), والقرية من المساكن والأبنية ,  والجمع قُرى  هذا خلاصة ما قاله إبن منظور في لسان العرب فكلمة قرية تطلق على المدينة الكبيرة كما تطلق على البيوت المجتمعة القليلة .

  وربنا سبحانه وتعالى قد سمى مكة قريةً كما سمى جميع مدن العالم وأمصارها قُرَى كما في قوله جل وعلا((  وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) ) الأنعام  (92) وغيرها في القران مثلها  كثير, ولذلك إسمحوا لي أستعمل كلمة قرية بدلا من كلمة  مدينة ,  ذلك أن كلمة قرية تَرُدُّني إلى الماضي بكل تفاصيله , تردني عشرات السنين  فتحَرِّك  الأشجان وتهَّيج الوجدان وتذكرني الإخوان والخلان , زملاء المقاعد في المدرسة وأصدقاء اللهو البريء والمرح الممتع  إخوان  البراءة  والطفولة العفوية أَمَدَّ الله في عمر الأحياء وفسح لهم في آجالهم ورحم من تعجّلوا وسبقونا

   ياغائبين وفي الجوانح طيفهم

                             أبكيكــــمُ من غُــيَّبٍ حُــضَّار

   لهفي عليهمُ أُسْكِنوا دُوْرَ الثرى

                من بعد سكنى السمع والأبصار .

وذاك مصيرنا المحتوم

قرية الحمران أو مدينة الحمران  مهد الطفولة ومرتع الصِّبَا وموطن الذكريات  وميدان الفسحات والنزهات , و أجملُ ذكريات كل أنسان أصفاها وأنقاها وأصدقها .

لا أصدق ولا أصفى من ذكريات الطفولة وأصدقائها و إخوانها , كنت أنت على البراءة والعفوية وكانوا كذلك بلا نوايا و لا مصالح ولا أحقاد ولا ضغائن .

لا أجمل في حياة أي أنسان من أصدقاء الطفولة صدقـٵ و صفاء ووفاء .

كم يشدك الحنين إلى الحمران وأهلها وسهولها ووهادها ومهادها ورباها وثراها وإلى كل ما فوق أرضها وتحت سماها

كم  تتسلق عليك الذكريات قسرا وقهرا فتذكر أرضها و سماها, وهواها ,ونداها , عطرها و شذاها .

      يا دار حمران العيون تَنعَّمي

                           في ثوب عزك يا دارَ عزٍ وَارفُلي .

 ما أروع الخزامى المتناثرة على جنبات الطريق وما أجمل الريحان تفوح رائحته من كل بيت وفوق كل صُـفَّة

 آوهٍ ثم آوه كم تأخذك الأحلام فتمضي بين البيوت  العتيقة من مسراب إلى مسراب ومن رفصة إلى رفصة , (رفصة )  بالصاد أخت الضاد المعجمة وليس بالسين  فتصبح رفسة فالرفصة درجات سلم الصعود  , والرفسة  وقاك الله شرّها فهي رفسة الحمار بإحدى رجليه التي قد تنزف معها الدماء , إن لم تأخذ إلى القبر))

وقد كانت في بعض الطرقات للحاجة إليها أعني الرفصة ,ومن صفة إلى صفة ((صفة صهبان أو صفة  المدَرْبي أو صفة حَيطان أو صفة الّْسَعد أو صفة ال شيّان أوصفة المطر أو صفة البشير ))  من فج إلى فج ومن طريق إلى آخر

يلفحك أريج الخزامى ويَسفَعُكَّ شذى الريحان والشيح من يمين الطريق أومن شماله فينعش قلبك, وتطيب نفسك , يغذوك بالنشوة والنشاط

شذى الخُزامى والشِّيحِ والريحان فَوَّاحً

                       وبلبل الروض فوق الغصن صدَّاحا

 تسمع صوت مهراس قهوة الصباح له صليل مجلجل يدق في كل بيت وبخاصة مع بزوغ شمس النهار حين تأخذ حبات الندى إذنها وتودع وريقات الشجر و خمائل الورود و الزهور محلِّقة في السماء وكأنها غمامة مطر بعد أن باتت في أحضان الزهور واوراق الشجر.

تمضى هائما وتمشي حالما سابحا في بحور العهود السالفات وأحداث الأيام الماضيات والسنين الخاليات ثم لا تصحو إلّا وأنت ربما قد ضللت طريقك وأضعت وجهتك لشدة ما أغرقك الفكر وحلَّقَ بك الخيال , قِفْ , قِفْ , قِفْ , ياخيالي , قف كي لاأضِلّ طريقي قِف لئلا تُحَمِّلَ نفسي مالا تطيق ولا تحتمل .

يا قرية الحمران أول منزلِ

                   طاب المُــــقامُ فــيكِ نِــــــعْمَ المَوئِلُ .

يا لائمي في هواها والهوى قدرٌ

                       لوشَفَّك الوِجْدُ لم تعذل ولم تَلُمِ

هذا وللحديث بقية

 

 

أترك تعليق